القدس المحتلة-سانا
يشهد قطاع غزة منذ بدء العدوان الإسرائيلي قبل نحو عامين ونصف تدهوراً صحياً غير مسبوق، بعدما طال القصف المستشفيات والمراكز الطبية وأدى إلى خروج معظمها من الخدمة، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية في القطاع من حصار خانق ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات.
هذه الظروف الكارثية انعكست بشكل مباشر على مرضى السرطان، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة المرض دون علاج، ودون إمكانية السفر، ودون بنية صحية قادرة على تقديم الحد الأدنى من الرعاية، ومع استمرار القصف وتعطل المرافق الطبية تتفاقم معاناة آلاف المرضى الذين يواجهون خطر الموت البطيء في ظل غياب أي استجابة دولية فاعلة.
اليوم العالمي لمرض السرطان
ويصادف الرابع من شباط من كل عام اليوم العالمي لمرض السرطان، الذي أقرّته منظمة الصحة العالمية لرفع الوعي بخطورة المرض وسبل الوقاية والكشف المبكر والعلاج، فيما يُعدّ السرطان من أبرز أسباب الوفاة عالمياً، مع تزايد أعداد المصابين سنوياً، ولا سيما في الدول التي تعاني أنظمتها الصحية من أزمات مزمنة، وفي غزة يتحول هذا اليوم إلى تذكير مؤلم بحجم المعاناة التي يعيشها المرضى، في ظل غياب أبسط مقومات الرعاية الصحية.
انهيار المنظومة الصحية ودق ناقوس الخطر
وفي هذا السياق حذّرت وزارة الصحة الفلسطينية من تداعيات خطيرة ناجمة عن النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، حيث تجاوز العجز 66 بالمئة من المستهلكات الطبية و84 بالمئة من المواد المخبرية وبنوك الدم، ما يعني عملياً وصول المخزون إلى الصفر.
وأكدت الوزارة أن المنظومة الصحية في غزة تعيش حالة استنزاف غير مسبوقة بعد عامين من الحرب والحصار، الأمر الذي أدى إلى تراجع حاد في القدرة على تقديم الخدمات التشخيصية والعلاجية، وخصوصاً لمرضى السرطان الذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة.
إحصاءات صادمة وتحذيرات دولية
ووفق تقارير منظمة الصحة العالمية حتى نهاية كانون الأول 2025، فقد بلغ عدد مرضى السرطان في قطاع غزة نحو 12,500 مريض، مع تشخيص أكثر من 2,000 حالة جديدة سنوياً، بينها 122 طفلاً وذلك في ظل خروج المستشفيات المتخصصة من الخدمة وتوقف جلسات العلاج الكيميائي الوريدي والمتابعة الطبية بشكل شبه كامل منذ منتصف العام الماضي.
كما أكدت تقارير صادرة عن منظمات دولية وهيئات إنسانية وجود خطر مباشر على حياة مئات المرضى بسبب انقطاع العلاج، مشيرة إلى أن مرضى السرطان من أكثر الفئات عرضة للوفاة نتيجة غياب الأدوية.
وكشف المدير الطبي لـ “مركز غزة للسرطان”، الدكتور محمد أبو ندى، أن 1,500 مريض فلسطيني فقدوا حياتهم منذ بدء الحرب في الـ 7 من تشرين الأول 2023؛ نتيجة استهداف المستشفيات وحرمانهم من العلاج.
من جانبها حذّرت منظمة الصحة العالمية من انهيار كامل للمنظومة الصحية في غزة، مؤكدة أن غياب العلاج والتشخيص يجعل المرض يتطور بسرعة قاتلة، وأن توقف المستشفيات ونفاد الوقود والأدوية يهدد حياة آلاف المرضى.
ومع إعادة فتح معبر رفح بشكل محدود مؤخراً، تساند المنظمة عمليات إجلاء المرضى ومرافقيهم، فيما ينتظر أكثر من 18 ألف مريض، بينهم أربعة آلاف طفل، فرصتهم للخروج لتلقي العلاج.
مرحلة الإعدام الطبي
تقارير حقوقية وصفت الوضع بأنه وصل إلى مرحلة “الإعدام الطبي”، حيث لا تتوفر أجهزة التشخيص أو الأدوية أو إمكانية السفر للعلاج، مؤكدة أن استهداف المستشفيات وعرقلة دخول الإمدادات الطبية يشكلان انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.
بالتوازي أشار مركز غزة لحقوق الإنسان إلى أن سلطات الاحتلال تواصل منع مرضى السرطان من السفر، في سياسة تُعد شكلاً من القتل البطيء وحرماناً متعمداً من الحق في الحياة، وخصوصاً للأطفال والمرضى في الحالات الحرجة.
صمت دولي يفاقم المأساة
ويحذر مختصون في الشأن الفلسطيني من أن الحصار الإسرائيلي الخانق والانهيار الصحي المتواصل، يتركان مرضى السرطان في غزة عالقين بين المرض وغياب العلاج، في ظل صمت دولي مقلق، مؤكدين أن هذا الواقع يعكس حاجة ملحة إلى تحرك عاجل يشمل إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، وإعادة تشغيل المستشفيات، وتأمين سفر المرضى للعلاج بما يحفظ حقهم في الحياة.