دمشق-سانا
تجد أوروبا نفسها أمام منعطف استراتيجي في علاقتها بالولايات المتحدة، مع تصاعد سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أعادت طرح سؤال جوهري حول مدى التزام واشنطن بالدفاع عن القارة العجوز.
تهديدات الرئيس ترامب بسحب الضمانات الأمنية عن حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وفرضه رسوماً جمركية وضغوطاً اقتصادية على الحلفاء، أثارت مخاوف أوروبية من استمرار الاعتماد شبه المطلق على الولايات المتحدة، ولا سيما في مواجهة التهديدات الروسية والصينية.
وفي هذا السياق حذر الأمين العام للناتو مارك روته أمام البرلمان الأوروبي من أن القارة غير قادرة على الدفاع عن نفسها دون الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن إنشاء قوة نووية أوروبية مستقلة يتطلب مضاعفة الإنفاق الدفاعي من 5 إلى 10 بالمئة من الناتج الداخلي الإجمالي، إضافة إلى استثمارات ضخمة لبناء قدرات ردع نووي فعالة.
سياسات ترامب وتراجع الثقة الأوروبية
عودة ترامب إلى البيت الأبيض أعادت التوتر إلى العلاقة الأوروبية الأمريكية عبر تهديداته المتكررة لحلفاء الناتو بوقف الحماية الأمنية ما لم يرفعوا إنفاقهم الدفاعي، وبينما يرى بعض الخبراء أن هذه التصريحات تكتيك لدفع الأوروبيين إلى تحمل مسؤوليات أكبر، فإنها عمقت الشكوك حول استمرارية الالتزام الأمريكي طويل الأمد، ودفعت الأوروبيين إلى التفكير بجدية في بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالاً.
فرنسا ومحاولة بناء مظلة ردع أوروبية
ووسط هذه المخاوف تتصدر فرنسا الجهود الرامية إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، إذ أطلق الرئيس إيمانويل ماكرون حواراً استراتيجياً لبحث توسيع نطاق الردع النووي الفرنسي ليشمل الحلفاء الأوروبيين، مع الحفاظ على القرار النووي ضمن السيادة الوطنية.
وتهدف باريس إلى تقديم مظلة ردع جزئية تكمل الضمانات الأمريكية، وتمنح أوروبا هامشاً أكبر من الاستقلالية، مع التأكيد على أن الردع النووي أداة سياسية للثبات الاستراتيجي، وليس قوة هجومية مباشرة.
ألمانيا بين الضغوط الشعبية والقيود القانونية
وبينما تواجه ألمانيا تحدياً بين تراجع الثقة بالضمانات الأمريكية من جهة، والتزاماتها الدولية التي تمنعها من امتلاك سلاح نووي من جهة أخرى، أظهر استطلاع لمعهد “فورسا” أحد أبرز مؤسسات استطلاعات الرأي والبحوث الاجتماعية في ألمانيا، أن 64 بالمئة من الألمان يؤيدون إنشاء درع نووي أوروبي مستقل، ما يضع ضغوطاً على الحكومة لإعادة تقييم دورها الدفاعي.
من جانبه أعلن المستشار فريدريش ميرز عن نية برلين إجراء محادثات مع فرنسا وبريطانيا لبحث خيارات الردع المشترك، مع التركيز على تعزيز القدرات الدفاعية دون خرق المعاهدات الدولية.
الأبعاد الاقتصادية للاستقلال الدفاعي
ويمثل الجانب الاقتصادي أحد أكبر التحديات أمام أي مشروع دفاعي أوروبي مستقل، فقد خصصت فرنسا 413 مليار يورو حتى عام 2030 لرفع جاهزية قواتها، وتحديث ترسانتها النووية وقدراتها السيبرانية.
وتشير تقديرات أوروبية إلى أن تحقيق استقلال دفاعي فعلي يتطلب مرونة مالية إضافية، سواء عبر الديون طويلة الأجل أو زيادة الضرائب أو إعادة هيكلة الإنفاق المدني، بما يضمن عدم الإضرار بالنمو الاقتصادي والنموذج الاجتماعي الأوروبي.
دور المملكة المتحدة ومحور الردع الأوروبي
وبحسب مراقبين متخصصين في الشؤون الدفاعية الأوروبية، فإن المملكة المتحدة، رغم كونها قوة نووية رئيسية، لا تزال تعتمد جزئياً على الولايات المتحدة في صيانة صواريخها النووية، الأمر الذي يحد من استقلال قرارها الاستراتيجي.
ويرى هؤلاء أن مساعي لندن لتعزيز تعاونها مع فرنسا، إلى جانب الشراكات المتنامية بين فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا، تشكل توجهاً واضحاً نحو بناء محور ردع أوروبي قادر على تحقيق قدر من الاستقلالية الدفاعية ضمن إطار الناتو، دون الانفصال عنه.
التحركات الأوروبية الجديدة والتهديدات الروسية الصينية
دفعت تهديدات ترامب الأخيرة دولاً مثل السويد، إلى فتح محادثات مع فرنسا وبريطانيا حول خيارات الردع النووي، رغم حساسية الملف داخلياً، فيما تدرس بعض الدول تطوير قدرات ردع تكتيكية محدودة لتعزيز قدرتها على الردع الذاتي.
وفي المقابل، تواصل روسيا نشر أسلحة نووية هجومية في بيلاروسيا، بينما توسع الصين ترسانتها النووية في إطار منافستها مع الولايات المتحدة، ما يزيد الضغوط على أوروبا لتطوير دفاعات صاروخية ولوجستية أكثر تقدماً.
ملف غرينلاند وأبعاده الجيوسياسية
أثار سعي الولايات المتحدة لتوسيع وجودها في جزيرة غرينلاند، التابعة للسيادة الدنماركية، جدلاً واسعاً داخل أوروبا، حيث أكد الأمين العام للناتو أن القرار النهائي يعود للدنمارك وغرينلاند، ما يعكس حساسية الملف وأهميته الاستراتيجية في المحيط الأطلسي والقطب الشمالي.
ويبرز هذا الملف أن الاستقلال الدفاعي الأوروبي لا يقتصر على القدرات العسكرية، بل يشمل إدارة ملفات جيوسياسية معقدة تتطلب تنسيقاً أوروبياً عالياً.
ويرجح محللون أن أوروبا باتت أمام خيارين متباينين، فإما تعزيز استقلاليتها الدفاعية تدريجياً، أو استمرار الارتهان للمظلة الأمريكية، ويرون في الوقت نفسه أن نجاح فرنسا والمملكة المتحدة والسويد في بلورة استراتيجية دفاعية متكاملة قد يدفع الناتو إلى إعادة صياغة آليات الردع، بحيث تصبح الضمانات الأمريكية مكمّلة للمنظومة الأوروبية وليست ركيزتها الوحيدة.