عواصم-سانا
لم تعد محادثات إنهاء الحرب في أوكرانيا تقتصر على وقف إطلاق النار أو ترسيم خطوط التماس، بل باتت تتداخل بشكل متزايد مع مصالح اقتصادية واسعة، وحسابات سياسية تتجاوز أطراف النزاع المباشرين.
ففي حين تضغط الولايات المتحدة لفرض مهلة زمنية تنتهي مع حلول الصيف، تحذّر كييف من تفاهمات أمريكية – روسية تُبحث بعيداً عنها، فيما تتحدث موسكو عن تقدم “حذر” في مسار تفاوضي ما زال محكوماً بعقد ميدانية وسياسية معقدة.
وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا والولايات المتحدة تناقشان اتفاقيات اقتصادية ثنائية بقيمة 12 تريليون دولار، تشمل صفقات قد تؤثر على أوكرانيا، لافتاً إلى أن وفده التفاوضي سيتوجه الأسبوع المقبل إلى واشنطن لبدء جولة جديدة من المحادثات.
وأوضح أنه اطّلع على وثائق تحدد إطاراً للتعاون الاقتصادي بين واشنطن وموسكو تحت اسم “حزمة ديميترييف”، مشيراً إلى أن بعض هذه الاتفاقيات قد تتضمن قضايا ترتبط بأوكرانيا، سواء عبر تخفيف تدريجي للعقوبات أو من خلال مشاريع اقتصادية طويلة الأمد.
وشدد الرئيس الأوكراني على أن بلاده لن تقبل بأي تفاهمات تُبرم بشأن مستقبلها من دون مشاركتها المباشرة، أو ضمانات أمنية واضحة.
مفاوضات بلا اختراق سياسي
وشهدت الأسابيع الأخيرة جولتين من المحادثات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في أبوظبي، وُصفت بأنها “بناءة”، لكنها لم تحقق أي اختراق جوهري في الملفات السياسية الأساسية، إذ اقتصر التقدم على اتفاق لتبادل واسع للأسرى، في خطوة عُدّت إنجازاً إنسانياً أكثر منها تحولاً سياسياً.
وأكد المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أن المحادثات ركزت على تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق سلام دائم، فيما شددت كييف على أن القضايا الشائكة لا تزال قائمة، وعلى رأسها مستقبل الأقاليم المتنازع عليها، والضمانات الأمنية، وإدارة المنشآت الحيوية.
مهلة أمريكية وضغوط زمنية
وكشفت تصريحات أوكرانية أن واشنطن منحت طرفي النزاع مهلة غير رسمية حتى حزيران المقبل للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، مع تلميحات بممارسة ضغوط سياسية إذا لم يتم الالتزام بهذا الإطار الزمني.
وطرحت الولايات المتحدة أفكاراً تتعلق بوقف استهداف البنية التحتية للطاقة، وإجراء استفتاء على أي اتفاق سلام محتمل، بالتزامن مع انتخابات وطنية في أوكرانيا.
أما على الأرض، فتستمر المعارك على جبهة طويلة، فيما كثفت القوات الروسية ضرباتها على البنية التحتية للطاقة، ما أدى إلى خفض إنتاج المحطات النووية، وتوسيع نطاق انقطاعات الكهرباء، الأمر الذي زاد الضغط على الحكومة الأوكرانية خلال فصل الشتاء.
سياسياً، تتمسك موسكو بمطلب انسحاب أوكراني من مناطق في إقليم دونباس، وهو ما ترفضه كييف رفضاً قاطعاً، كما لم يُسجل أي توافق بشأن مستقبل محطة زابوروجيا النووية، فيما تبقى الضمانات الأمنية العقبة الأكبر أمام أي اتفاق محتمل.
تقدم حذر ورهانات مفتوحة
من جانبها، تحدثت موسكو عن “تقدم إيجابي” في مسار المحادثات، مشيرةً إلى استعادة قنوات التواصل مع واشنطن، بما في ذلك إطلاق حوار عسكري وتشكيل مجموعات عمل اقتصادية مشتركة.
لكن المؤشرات تجمع على أن المفاوضات لا تزال في مرحلة جس النبض، وأن أي اتفاق محتمل يصطدم بعوامل ميدانية وسياسية معقدة، فضلاً عن تباين الأولويات بين الأطراف.
ورغم تكثيف الجهود الدبلوماسية، لا تبدو المحادثات قريبة من تسوية شاملة، فالضغط الزمني الأمريكي، والرهانات الاقتصادية الكبرى، والتحذيرات الأوكرانية من صفقات على حسابها، كلها تكشف عن مسار تفاوضي غير مستقر.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية، تبقى احتمالات السلام رهناً بقدرة الأطراف على تجاوز الخلافات الجوهرية، لا الاكتفاء بإدارة الأزمة أو تأجيلها عبر تفاهمات مرحلية.