دمشق-سانا
لم تكتفِ إسرائيل بتحويل قطاع غزة إلى منطقة منكوبة، وساحة حرب مفتوحة، للموت والدمار والنزوح، بل عمدت في خرقٍ صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني، إلى فرض تعتيم إعلامي ممنهج لعزل القطاع عن أعين العالم، وجعل الحقيقة ضحية إضافية في قائمة ضحايا حرب الإبادة المستمرة.
ومنذ بدء التوغل البري الواسع فجر السابع والعشرين من تشرين الأول، قبل أكثر من عامين، بات العمل الصحفي هدفاً مباشراً لإجراءات منظمة تنتهك التزامات سلطات الاحتلال بموجب اتفاقيات جنيف، ولا سيما ما يتعلق بحماية المدنيين والصحفيين.
ومع تصاعد التقارير الدولية التي توثق حجم الدمار والخسائر البشرية في صفوف المدنيين، شددت سلطات الاحتلال قيودها على التغطية الإعلامية، ومنعت الصحفيين الأجانب من دخول القطاع، لمنع التوثيق المستقل للانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك الجرائم التي ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
استهداف الصحفيين… جريمة بموجب القانون الدولي
رئيسة لجنة حماية الصحفيين، جودي جينسبيرغ، أكدت أن إسرائيل اعتمدت خلال العامين الماضيين إجراءات غير مسبوقة للسيطرة على السرد الإعلامي في غزة، شملت اغتيال الصحفيين الفلسطينيين، واستهداف المؤسسات الإعلامية، وفرض الحظر على التغطية المستقلة، وهي ممارسات تشكل، وفق القانون الدولي الإنساني، انتهاكات جسيمة، إذ يُصنف الصحفيون كمدنيين يتمتعون بالحماية الكاملة أثناء النزاعات المسلحة.
ووفق توثيق مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين، فقد قُتل أكثر من 60 صحفياً وعاملاً في المجال الإعلامي منذ مطلع عام 2025، فيما ارتفع عدد الصحفيين الذين قتلوا منذ بدء حرب الإبادة في السابع من تشرين الأول 2023 إلى 257 صحفياً، رغم سريان وقف إطلاق النار الحالي، في مؤشرات خطيرة على استمرارية سياسة الاستهداف المنهجي.
كما دمّر الاحتلال أكثر من 250 مؤسسة إعلامية، في انتهاك واضح لحظر استهداف المؤسسات والهياكل المدنية، وأمعن الاحتلال في انتهاكاته لتتوسع دائرة الاستهداف، ويطال عائلات الصحفيين، حيث قُتل أكثر من 650 من أقاربهم، في مشهد يشكل عقاباً جماعياً محظوراً بموجب القانون الدولي الإنساني.
المماطلة القانونية وتعطيل العدالة
إلى جانب الاستهداف الميداني، تتبع حكومة الاحتلال، سياسة تعطيل قانوني ممنهج، عبر تأجيل الرد على الالتماسات التي تقدمت بها رابطة الصحفيين الأجانب للسماح بدخول وسائل الإعلام الدولية إلى غزة، ومحاولة لعرقلة آليات المساءلة، ومنع جمع الأدلة التي قد تُستخدم في التحقيقات الدولية بشأن الجرائم المرتكبة.
وتؤكد التقارير أن هذه التأجيلات المتكررة، دون مبررات قانونية جدية، تسهم في تكريس الإفلات من العقاب، وتقوض حق الضحايا في الحقيقة والعدالة.
الصحفي الفلسطيني… مدني محمي تحت النار
في ظل هذا الحصار الإعلامي، أصبح الصحفيون الفلسطينيون المصدر الأساسي لنقل ما يجري داخل القطاع، وفق ما أكده المركز الفلسطيني للإعلام في غزة، إلا أن ذلك يتم في ظروف تشكل انتهاكاً صارخاً في ضمان حماية المدنيين، حيث يواجه الصحفيون مخاطر جسيمة تشمل القصف المباشر، وإطلاق النار، وتدمير المنازل ومقار العمل، إلى جانب الخسائر التي طالت عائلاتهم، في سياق يشير إلى استهداف مباشر وغير مباشر للعمل الإعلامي، يرقى إلى جريمة بموجب القانون الدولي.
رفض دولي… ودعوة لتوثيق الإبادة
اتحاد البث الأوروبي طالب السلطات الإسرائيلية بالسماح الفوري للصحفيين الأجانب بالوصول الحر والكامل إلى قطاع غزة، وخاصة بعد بدء سريان وقف إطلاق النار في العاشر من تشرين الأول الجاري، مؤكداً أن القيود المفروضة تقوّض مبادئ حرية الإعلام، والشفافية، والمساءلة العامة، وهي مبادئ محمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وشدد الاتحاد على أن التذرع بالأسباب الأمنية لم يعد مبرراً قانونياً، باعتبار أن الصحفيين يؤدون دوراً أساسياً في نقل الحقيقة، والتحقق من المعلومات، وتوثيق الأوضاع الإنسانية.
من جهته، دعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى تمكين الصحفيين ووسائل الإعلام الدولية، ولجان تقصي الحقائق والتحقيق الدولية، من الوصول الحر وغير المشروط إلى قطاع غزة، باعتباره شرطاً أساسياً لتوثيق جرائم الإبادة وضمان محاسبة المسؤولين عنها.
وكانت نقابة الصحفيين الفلسطينيين أكدت أمس في بيان لها، أن العام الجاري مثل ذروة الاستهداف الدموي الممنهج بحق الصحفيين في فلسطين، حيث أظهرت بيانات الرصد والتوثيق التي جمعتها اللجنة أن قطاع غزة يعد الأخطر عالمياً على الصحفيين، وخاصة في غزة وخان يونس ودير البلح والنصيرات وجباليا ورفح، حيث تركزت اعتداءات قوات الاحتلال على خيم الصحفيين وأماكن تجمعاتهم.