دمشق-سانا
تأتي إجراءات ترشيد وتوجيه الإنفاق في الجهات العامة التي اقترحتها وزارة المالية ووافقت عليها الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، في إطار تنظيم الإنفاق الحكومي وضبط النفقات غير الضرورية.
ضبط هيكل الإنفاق الحكومي
وبهدف تسليط الضوء على هذه الإجراءات التي تتيح الاستفادة من الموارد المتاحة بصورة أكثر كفاءة، وتوجيه الوفورات نحو القطاعات الخدمية والمشاريع ذات الأولوية، مع الحفاظ على النفقات المرتبطة بالخدمات الأساسية، التقت سانا الخبير الاقتصادي الدكتور محمد كوسا، الذي رأى في حزمة الإجراءات “محاولة لإعادة ضبط هيكل الإنفاق الحكومي”.
وأكد كوسا أهمية توجيه الموارد المتاحة نحو الأولويات المرتبطة بالخدمات والإنتاج، بدلاً من خفض النفقات بصورة عشوائية، مشيراً إلى ضرورة الانتقال من تمويل البنود وفق النهج التقليدي إلى ترتيب أولويات الإنفاق، بحيث تشكل النفقات الإدارية والاستهلاكية الأقل أهمية المجال الأول لتحقيق الوفورات، مع الحفاظ على الإنفاق المرتبط بالصحة والتعليم والمياه والطاقة والخدمات الأساسية.
وبحسب الخبير ذاته، فإن تخفيض مخصصات المحروقات والنفقات التشغيلية، وضبط السفر والإيفاد والضيافة وشراء التجهيزات والسيارات، يمكن أن تحقق وفورات ملموسة إذا ترافق مع رقابة فعلية تمنع إعادة إنفاقها على بنود غير ضرورية.
الوفورات الاسمية والحقيقية
ويتوجب التمييز بين الوفورات الاسمية والوفورات الحقيقية، وفقاً للخبير السوري، فخفض بند المحروقات أو السفر قد يخفض رقم الميزانية لكنه قد يرفع التكلفة على الموظف أو المواطن أو يدفع الجهات إلى انفاق خارج الميزانية، لذلك لا بد من قياس الوفورات الصافية وأثرها على الخدمة.
وقال في هذا الإطار: “أيضاً، خفض بند المحروقات أو السفر قد يؤدي إلى انخفاض الرقم المسجل في الموازنة، لكنه قد يرفع التكلفة على الموظف أو المواطن، أو يدفع الجهات العامة إلى تحمل نفقات أخرى خارج الموازنة، ما يستدعي قياس الوفر الصافي وأثره الفعلي في مستوى الخدمات”.
واعتبر كوسا أن مراجعة المشاريع الاستثمارية تمثل الجانب الأهم اقتصادياً، في ظل محدودية الموارد، إذ تفرض الحاجة إلى المفاضلة بين المشاريع وفق قدرتها على دعم الإنتاج والخدمات والبنية التحتية وتحقيق عائد اقتصادي، مبيناً أن تأجيل بعض المشاريع الأقل أولوية قد يكون أكثر كفاءة من توزيع الاعتمادات على عدد كبير من المشاريع دون قدرة كافية على إنجازها.
إعادة ترتيب أولويات الإنفاق
أما الباحث الاقتصادي محمد هنداوي فقد اعتبر في حديثه لـ سانا، أن إجراءات ضبط وترشيد الإنفاق العام، ينبغي النظر إليها باعتبارها خطوة لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي وتحسين كفاءة استخدام الموارد العامة، وليس مجرد سياسة لخفض النفقات.
وقال: إن الترشيد يعني الانتقال من مفهوم خفض الإنفاق إلى مفهوم الإنفاق الأكثر كفاءة، بحيث لا يكون الهدف بالضرورة إنفاق الدولة مبالغ أقل، وإنما تحقيق أثر اقتصادي وخدمي أكبر مقابل كل وحدة الإنفاق العام، مع مراجعة النفقات القابلة للتأجيل أو التخفيض وحماية الإنفاق الضروري لاستمرارية الخدمات والنشاط الاقتصادي.
وأشار هنداوي إلى أن الإجراءات المعلنة تتجه إلى إعادة تقييم المشاريع الاستثمارية وفق درجة ضرورتها ونسب إنجازها والالتزامات القائمة وآثارها المالية والاقتصادية والخدمية، مع إعطاء الأولوية للمشاريع المرتبطة بالخدمات الأساسية والبنى التحتية الحيوية وتلك التي تتمتع بجدوى اقتصادية وأثر مباشر.
وتكتسب إعادة توجيه الوفورات (الناتجة عن إجراءات الترشيد) باتجاه القطاعات ذات الأولوية أثراً كبيراً على الاقتصاد والمجتمع، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والمياه والطاقة والبنية التحتية والصيانة الضرورية، والمشاريع الاستثمارية القادرة على تحريك النشاط الاقتصادي وتحسين الإنتاجية.
تعزيز الاستدامة المالية للموازنة
أكد هنداوي أن الوفورات يمكن أن تسهم في تعزيز الاستدامة المالية للموازنة، ولا سيما في ظل الضغوط التي تواجه المالية العامة، مشيراً إلى أن بيانات وزارة المالية للنصف الأول من عام 2026 أظهرت بلوغ الإنفاق العام نحو 3.7 مليارات دولار، مقابل إيرادات عامة بنحو 2.7 مليار دولار، ما يجعل إدارة الأولويات ورفع كفاءة الإنفاق مسألة أساسية للاستقرار المالي.
ولا يقاس نجاح سياسة الترشيد فقط بحجم الوفر المالي المتحقق، حسب الخبير الاقتصادي ذاته، وإنما بما يحققه هذا الوفر من أثر على مستوى الخدمات والإنتاج والاستثمار، داعياً إلى إيجاد آليات واضحة لقياس الوفورات ومتابعة كيفية إعادة تخصيصها وتقييم أثرها على أداء الجهات العامة والمشاريع والخدمات.
وأشار هنداوي إلى أن خفض الإنفاق لا ينبغي أن يتحول إلى غاية بحد ذاته، لأن التخفيض غير المدروس قد يؤدي إلى:
- تأجيل صيانة ضرورية.
- إضعاف الاستثمار.
- تحميل الدولة تكاليف أكبر مستقبلاً.
وهذا يتطلب، وفقاً للخبير، التمييز بين الإنفاق غير المنتج القابل للترشيد، والإنفاق الاستثماري والتشغيلي الضروري لاستمرار الخدمات وتحسين القدرة الإنتاجية.
وبالمحصلة يؤكد الخبيران، أن الاختبار الحقيقي لهذه الإجراءات يكمن في مرحلة التنفيذ، ولا سيما في مستوى الرقابة والشفافية ووضوح آليات إعادة تخصيص الوفورات، بحيث يتحول الترشيد من خفض لأرقام الإنفاق إلى تحسين فعلي في كفاءة استخدام المال العام، ودعم الخدمات والمشاريع ذات الأولوية.
وكانت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، أصدرت بلاغاً أمس الإثنين، موجهاً إلى الوزارات والجهات العامة ذات الطابع الإداري والاقتصادي، بترشيد الإنفاق وخفض النفقات غير الضرورية، وإعادة ترتيب أولويات المشاريع الاستثمارية وفق ضرورتها وجدواها، مع مراعاة عدم المساس بالمهام الجوهرية للجهات العامة.
وحسب البلاغ تستثنى من إجراءات التخفيض الرواتب والأجور والنفقات اللازمة لاستمرار خدمات الصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة، وأعمال الصيانة التشغيلية والوقائية الضرورية.