لندن-سانا
طرح معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة، ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتداعيات استمرار إغلاق إيران لمضيق هرمز على تدفقات الغاز الطبيعي المسال والأسعار، في وقت تشير فيه بيانات إلى تراجع غير مسبوق في حركة الشحن عبر أحد أهم الشرايين الحيوية للطاقة في العالم.
وبحسب تقرير للمعهد نشرته وسائل إعلام اليوم الإثنين، لا يزال المضيق مغلقاً إلى حد كبير أمام الملاحة، حيث انخفض متوسط عدد السفن العابرة إلى 5.36 سفن يومياً خلال الفترة بين الثاني والـ15 من آذار الجاري، مقارنة بنحو 94.3 سفينة يومياً قبل بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية.
وأوضح التقرير أن ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال، تراجعت من 53.2 ناقلة يومياً إلى ناقلتين فقط، ما يعكس حجم الاضطراب العميق في سلاسل الإمداد العالمية.
وحذّر التقرير من أنه في حال استمرار هذا الوضع لأشهر، فإن السوق العالمية ستتجه نحو إعادة توازن قسرية، تقوم أساساً على تراجع الطلب في الأسواق الحساسة للأسعار، وخصوصاً في أوروبا وآسيا، إلى جانب صعوبات متزايدة في إعادة ملء المخزونات قبل موسم الشتاء.
سيناريو التعافي وشروط سياسية
ويفترض السيناريو المتفائل عودة الإمدادات بداية حزيران القادم، على أن تصل الشحنات إلى الأسواق في تموز، شريطة التوصل إلى اتفاق يوقف التصعيد العسكري وإعادة فتح المضيق بحلول نهاية نيسان.
وفي هذا السياق، توقع المعهد استئناف العمل في منشآت التسييل الكبرى، مثل رأس لفان وجزيرة داس في الخليج العربي خلال أسابيع قليلة، مع الحاجة إلى فترة تتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع لإعادة التشغيل، تليها مرحلة رفع تدريجي للإنتاج.
وأشار أوكسفورد إلى أنه رغم فقدان نحو 38 مليار متر مكعب من القدرة التصديرية، يبقى هناك نمو سنوي محدود بنحو 12 مليار متر مكعب، وفي هذا السيناريو تستقر أسعار الغاز العالمية عند مستويات معتدلة نسبياً (13.5 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية)، فيما تبقى أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل.
سيناريو ما بعد الصيف
أما السيناريو الثاني، فيفترض استمرار الإغلاق طوال الصيف، مع التوصل إلى تسوية في أيلول، مدفوعة بضغط الدول المستهلكة قبيل الشتاء.
وبحسب هذا التصور، يستغرق استئناف العمليات نحو شهرين، ما يؤدي إلى خسارة تقدر بـ74 مليار متر مكعب من القدرة خلال 2026، ويعني ذلك قفزة ملحوظة في الأسعار، حيث قد يصل الغاز إلى 21 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، فيما ترتفع الأسعار في أوروبا إلى أكثر من 53 يورو لكل ميغاواط/ساعة، مع متوسط أسعار نفط عند 125 دولاراً للبرميل.
سيناريو الإغلاق الطويل
السيناريو الأكثر تشاؤماً بحسب المعهد، هو افتراض استمرار التعطّل لمدة عام كامل، سواء بسبب استمرار التوتر أو بقاء التهديدات الأمنية للملاحة، حتى في حال توقف العمليات العسكرية رسمياً، على غرار ما حدث في مضيق باب المندب.
وفي هذه الحالة، قد تصل خسارة القدرة التصديرية إلى 87 مليار متر مكعب، مع انخفاض حاد في الإمدادات العالمية، ما يدفع أسعار الغاز إلى مستويات قياسية تبلغ 34 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، وقفزة كبيرة في أوروبا إلى 86.5 يورو لكل ميغاواط/ساعة، بالتوازي مع ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 150 دولاراً للبرميل.
أوروبا وآسيا في قلب العاصفة
وتكشف السيناريوهات الثلاثة أن الدول الأكثر تأثراً ستكون تلك المعتمدة على واردات الغاز الطبيعي المسال، وعلى رأسها أوروبا، التي قد تواجه صعوبات كبيرة في إعادة ملء مخزوناتها، إلى جانب الاقتصادات الآسيوية الكبرى التي قد تضطر إلى تقليص الاستهلاك أو البحث عن بدائل أعلى تكلفة.
كما يُرجّح أن تؤدي هذه التطورات إلى تسريع التحول نحو مصادر طاقة بديلة، وتعزيز الاستثمارات في مشاريع الغاز خارج منطقة الخليج، في محاولة لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.
وتشير تقديرات معهد أوكسفورد إلى أن أزمة مضيق هرمز لا تقتصر على اضطراب عابر في الإمدادات، بل تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة سوق الطاقة العالمية على التكيّف مع الصدمات الجيوسياسية.
وبين سيناريو التعافي السريع والانقطاع الطويل، يبقى العامل السياسي هو المحدد الرئيسي لمسار الأسعار واستقرار الأسواق، فيما يبدو أن أي حل حتى في أفضل الأحوال، سيحتاج أشهراً لإعادة التوازن المفقود.