دمشق-سانا
جاءت رياح الحرب الدائرة في المنطقة، مواتية لأشرعة الدولار الأمريكي، وأدى تصاعد حالة عدم اليقين، خصوصاً مع احتمالات تعطّل الممرات الحيوية للتجارة والطاقة، إلى مسارعة المستثمرين إلى التخلي عن الأصول عالية المخاطر واللجوء إلى السيولة الدولارية، ما أدى إلى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 بالمئة.
ووضع هذا الارتفاع العملة الأميركية في موقع المستفيد الأول من تداعيات الحروب والأزمات الجيوسياسية التي تخلق عادةً حالة من الاضطراب في الأسواق، ما يعزز الطلب على العملة الأميركية ويرفع قيمتها.
دور تجارة الطاقة
لا يقتصر تفسير قوة الدولار على العامل النفسي للمستثمرين ولجوئهم إلى العملة الخضراء فحسب، بل يرتبط أيضاً بطبيعة التجارة الدولية، حيث يظل الدولار العملة الأساسية في تسعير النفط والغاز عالمياً.
ومع ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، زاد الطلب العالمي على الدولار، وخاصة في الدول المستوردة للطاقة، لتسوية فواتير الاستيراد المرتفعة.
لماذا لم يستفد الذهب من الحرب؟
في المقابل، لم يتمكن الذهب من استغلال التوترات الجيوسياسية لتعزيز مكاسبه، فبعد أن ارتفع سعر الأونصة عقب بدء العمليات العسكرية في منطقة الخليج تعرض المعدن الأصفر لعمليات بيع مكثفة دفعت سعره للتراجع من 5423 دولاراً، إلى 5085 دولاراً.
ويشير روس نورمان، الرئيس التنفيذي لشركة “ميتالز دايلي”، في تصريحات لشبكة “سي إن بي سي”، إلى أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية خفّضا من جاذبية الذهب.
ووفقاً لتحليل وكالة الصحافة الفرنسية، فإن صعود الدولار في ظل هذه الظروف يعتمد على ثلاث ركائز رئيسية، من بينها السيولة والملاذ الآمن، حيث يظل الدولار الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن يتمتع بسيولة عالية، كما أنه العملة الأكثر استخداماً في التجارة الدولية واحتياطيات البنوك المركزية.
ومن الركائز أيضاً، الاستقلال الطاقي الأميركي، حيث تتمتع الولايات المتحدة بميزة نسبية في سوق الطاقة، إذ تعد أكبر منتج للنفط في العالم, كما أنها لا تستورد سوى 8 بالمئة من احتياجاتها من الخليج، بينما يأتي نحو ثلثي وارداتها من كندا، ما يقلل من تأثرها بأزمات الإمدادات.
كذلك ربما يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية، وقد يلجأ الاحتياطي الفيدرالي إلى إبطاء وتيرة خفض أسعار الفائدة، ومثل هذه التوقعات تعزز جاذبية الدولار مقارنة بالأصول الأخرى.
معضلة الدولار القوي والعجز المالي
يرى بعض الخبراء أن مواقف الإدارة الأميركية تبدو متناقضة، إذ تتباين تصريحات ترامب المرحبة بضعف الدولار مع تأكيدات وزير الخزانة سكوت بيسنت في مطلع عام 2026 على التمسك بسياسة الدولار القوي.
وفي هذا السياق، تحذر المحللة المالية كاثلين بروكس من أن جاذبية الدولار قد تتراجع إذا تفاقم العجز في الموازنة الأميركية نتيجة ارتفاع الإنفاق العسكري خلال الأشهر المقبلة، وهو ما قد يضع الإدارة الأمريكية أمام تحدٍّ حقيقي في تحقيق التوازن بين القوة الاقتصادية ومتطلبات الواقع الجيوسياسي.