بروكسل-سانا
شهدت أسواق الطاقة العالمية قفزة حادة في أسعار النفط والغاز، مدفوعة بتصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وتداعياتها، ما سلط الضوء مجدداً على هشاشة سلاسل الإمداد، ونقاط الاختناق الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، تواجه أوروبا التي تحاول تقليل اعتمادها على الغاز الروسي معضلة مزدوجة تتمثل في ضرورة تأمين إمدادات الطاقة لاستقرار أسواقها، مع الحفاظ في الوقت ذاته على التزاماتها المناخية واستراتيجيات التحول الأخضر طويلة الأمد.
وللتخفيف من وطأة هذه الأزمة، تتجه الدول الأوروبية نحو تنويع مصادر الطاقة، عبر استيراد الغاز المسال من الولايات المتحدة وقطر والجزائر، والنفط من النرويج وبريطانيا وشمال أفريقيا والبرازيل، فضلاً عن السعي لإنشاء خطوط أنابيب جديدة لتجاوز الممرات البحرية الحساسة كمضيق هرمز.
البحث عن التوازن بين الحاجة والأمن
ورغم الجهود الأوروبية لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي تدريجياً، يظهر الواقع التعقيد الكبير في تطبيق هذه السياسات، حيث ما زالت بعض الدول مثل هنغاريا وسلوفاكيا تعتمد بشكل شبه كامل على الغاز الروسي، فيما تحتفظ التشيك بعلاقات قوية عبر خط أنابيب “دروجبا” الروسي.
محاولات أوروبا لتحقيق توازن بين أمن الطاقة والالتزامات القانونية والاقتصادية تصطدم بتحديات متعددة، فإلغاء العقود أو خفض الاستيراد بشكل مفاجئ قد يجر دعاوى قضائية وعقوبات مالية.
ويضاف إلى ذلك الضغوط السياسية المحيطة بخط “دروجبا”، حيث أعرب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اليوم الأحد عن معارضته لربط حصول أوكرانيا على قروض الاتحاد الأوروبي بقيمة 90 مليار يورو، بإعادة تشغيل الخط الذي ينقل النفط الروسي إلى هنغاريا وسلوفاكيا.
وقال زيلينسكي: إن ذلك يُعتبر ابتزازاً، مشيراً إلى أن الهجمات المتكررة بطائرات مسيرة روسية على الخط، التي تجاوزت عشرين هجوماً خلال الحرب الروسية الأوكرانية، ستجعل إصلاحه عملية طويلة ومعقدة.
أمل أوروبا في مواجهة التوترات
وتتربع النرويج اليوم على مفترق طرق الطاقة الأوروبية، مع سعيها لتوسيع مناطق التنقيب في بحر بارنتس القطبي، حيث أعلنت حكومتها عن فتح نحو سبعين منطقة جديدة متوقعة إنتاج مليارات الأمتار المكعبة من مكافئ النفط والغاز، ما يمثل فرصة للحد من اعتماد الاتحاد الأوروبي على مصادر أكثر تقلباً.
وزير الطاقة النرويجي تيري آسلاند، شدد على أهمية الشفافية مع الشركاء الأوروبيين، محذراً من أن أي تصعيد إقليمي، وخصوصاً في مضيق هرمز، قد يفرض على أوروبا إعادة النظر في سياساتها تجاه الغاز الروسي، وهو ما يعكس الضغوط الاستراتيجية الكبيرة التي تواجهها القارة اليوم.
روسيا مصدر 20% من غاز أوروبا
وعلى الرغم من العقوبات الأوروبية، استطاعت روسيا المحافظة على حضورها في سوق الغاز الطبيعي المسال، حيث شكلت صادراتها نحو 20% من احتياجات الاتحاد الأوروبي في 2024.
كما عزز ارتفاع الطلب على الوقود الأحفوري إثر التصعيد الحالي من عائدات موسكو، فيما أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده لتزويد أوروبا بالنفط والغاز بشكل منتظم، شرط الالتزام بالاتفاقيات التجارية دون ضغوط سياسية.
خارطة طريق للتخلي عن الطاقة الروسية
ووضعت المفوضية الأوروبية خطة للتخلي التدريجي عن الطاقة الروسية بحلول 2028، تشمل، حظر عقود جديدة للغاز الروسي بحلول 2026، ووقف واردات الغاز طويل الأجل الروسية بحلول نهاية 2027 وإلزام الدول الأعضاء بخطط وطنية لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي مع تقديمها قبل نهاية 2025، وفرض قيود على عقود المواد النووية الروسية، ومتابعة تطبيق العقوبات على الكيانات المشتبه بها في نقل النفط الروسي بطرق غير قانونية.
وتبقى التحديات أمام التنفيذ كبيرة، إذ تحافظ بعض الدول مثل هنغاريا وسلوفاكيا والتشيك على علاقات وثيقة مع روسيا، كما تواجه أوروبا عقبات قانونية بسبب حماية العقود طويلة الأجل، إضافة إلى بطء الانتقال للطاقة المتجددة مقارنة بالخطة المستهدفة.
طرق بديلة لتأمين الطاقة
ومع تعطل مضيق هرمز، تبحث أوروبا عن طرق بديلة لتأمين الطاقة، تشمل خط أنابيب شرق غرب السعودي بقدرة تصدير تصل إلى خمسة ملايين برميل يومياً، لكنه لا يعوض كامل الكميات المارة بالمضيق وكذلك خطوط أنابيب أخرى إلى خليج عمان وطاقتها أقل من المطلوب إضافة إلى إمدادات بحرية تشمل النرويج، المملكة المتحدة، الجزائر، البرازيل، وغيانا عبر البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، في حين ضغطت الولايات المتحدة على أوروبا لتوقيع عقود طاقة كبيرة تصل قيمتها إلى 350 مليار دولار، ما يثير مخاوف من تبعية جديدة.
وفي هذه الأثناء، ارتفعت أسعار الغاز الأوروبي بنسبة 50% بعد توقف قطر عن تصدير الغاز الطبيعي المسال، فيما تعمل محطات تسييل الغاز الأمريكية بطاقة كاملة لتلبية الطلب الأوروبي، حيث يمثل مضيق هرمز نحو خُمس تجارة النفط والنفط المسال عالمياً، ما يجعل أي تهديد له مؤثراً على الأسواق العالمية.
التحديات أمام أوروبا
التحديات التي تواجه أوروبا اليوم ليست اقتصادية فحسب، بل سياسية واستراتيجية ومناخية، إذ إن استمرار بعض الدول بالاعتماد على الغاز الروسي رغم العقوبات، والتعقيدات القانونية المرتبطة بالعقود الطويلة، وارتفاع تكاليف البدائل البحرية والبرية، تجعل أي قرار بإعادة التوازن إلى سوق الطاقة الأوروبية معقداً، كما أن الانتقال البطيء نحو الطاقة المتجددة يزيد من هشاشة القارة أمام أي تصعيد في مضيق هرمز أو مناطق إنتاجية أخرى.
وتقف أوروبا الآن أمام مفترق طرق حقيقي، وهو تأمين الطاقة عبر تنويع مصادر الوقود، والحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي، أو الإسراع بالانتقال إلى الطاقة المتجددة، فالتصعيد الحالي في الشرق الأوسط أعاد التأكيد على هشاشة سلاسل الإمدادات، وجعل اتخاذ القرارات الاستراتيجية السريعة أمراً حيوياً لضمان استقرار أسواق الطاقة، دون الإخلال بالالتزامات المناخية والسياسية طويلة الأمد.