دمشق-سانا
يعد التضخم في سوريا اليوم أحد أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه مرحلة التعافي، بعد سنوات طويلة من السياسات الاقتصادية الفاشلة التي كان ينتهجها النظام البائد، فارتفاع الأسعار الذي يرهق المواطنين لم يعد ظاهرة عابرة، بل نتيجة تراكمات عميقة من الاختلالات البنيوية، وتراجع الإنتاج، والضغوط المالية والنقدية التي تراكمت خلال أكثر من عقد من العزلة الاقتصادية.
وأوضح الخبير الاقتصادي الدكتور محمد كوسا في تصريح لـ سانا أن فهم مسار التضخم في سوريا يستلزم النظر إليه ضمن سياقه التاريخي خلال العقدين الماضيين، حيث مرّ الاقتصاد بثلاث مراحل رئيسية عكست طبيعة التحولات التي شهدتها البلاد.
المرحلة الأولى: ما قبل عام 2011
اتسم الاقتصاد السوري بدرجة من الاستقرار النسبي، إذ تراوحت معدلات التضخم السنوية بين 5 و7 بالمئة، وخلال تلك الفترة اعتمد الاقتصاد على مصادر دخل متنوعة شملت السياحة والزراعة والنفط، إضافة إلى تحويلات السوريين في الخارج، فضلاً عن نظام دعم حكومي ساهم في الحفاظ على استقرار أسعار العديد من السلع الأساسية.
وأشار كوسا إلى أن هذا الاستقرار كان يخفي اختلالات هيكلية في بنية الاقتصاد، تمثلت في انتشار الفساد الإداري والمالي، وضعف الإنتاجية في القطاع الصناعي، كما اتسمت معظم الأنشطة الصناعية بطابع تجميعي أكثر من كونها صناعات تحويلية متقدمة، ما جعل الاقتصاد أقرب إلى نموذج يعتمد على الإدارة الحكومية والدعم بدلاً من الإنتاجية والكفاءة الاقتصادية.
المرحلة الثانية: بين عامي 2011 و2024
شهد الاقتصاد السوري خلال هذه المرحلة تراجعاً واسع النطاق نتيجة الخسائر الكبيرة التي لحقت بالقطاعات الإنتاجية والبنية التحتية، وفقدان جزء مهم من الموارد النفطية، إضافة إلى تضرر النشاطين الزراعي والصناعي بشكل كبير، وانعكس ذلك مباشرة على الأسعار وسعر الصرف، حيث ارتفع المستوى العام للأسعار إلى نحو 170 ضعفاً مقارنة بما كان عليه قبل عام 2011، في حين تراجعت قيمة الليرة السورية أمام الدولار بنحو 300 مرة.
وبيّن كوسا أن هذه التحولات الاقتصادية الحادة أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة واتساع دائرة الفقر لتشمل نحو 90 بالمئة من السكان، ما جعل التضخم أحد أبرز التحديات التي واجهت الاقتصاد السوري خلال تلك الفترة.
المرحلة الثالثة: ما بعد سقوط النظام
مع انتصار الثورة السورية، بدأت مؤشرات الأسعار تُظهر تباطؤاً نسبياً في وتيرة التضخم مقارنة بسنوات الذروة السابقة، فقد انخفضت المستويات السعرية إلى نحو 118 ضعفاً خلال الفترة الأولى، قبل أن تتراجع إلى قرابة 100 ضعف بحلول منتصف عام 2025، ثم إلى نحو 89 ضعفاً مع نهاية العام نفسه.
ويرى كوسا أن هذه المؤشرات تعكس بداية تحسن نسبي في البيئة الاقتصادية، لكنها لا تعني أن الاقتصاد تجاوز التحديات بالكامل، إذ لا يزال استقرار الأسعار مرتبطاً بقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات مؤسسية عميقة تشمل مكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، واستقطاب الكفاءات الاقتصادية المتخصصة.
مسارات الحد من التضخم
وحدد كوسا عدداً من المسارات التي ينبغي اتباعها للحد من التضخم والمضي نحو الاستقرار الاقتصادي، أبرزها:
إعادة بناء اقتصاد إنتاجي قادر على تحقيق الاستقرار.
دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
إعادة تأهيل القطاعات الصناعية والزراعية.
تطوير الإدارة الاقتصادية للانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى التخطيط التنموي طويل المدى.
مواجهة التضخم
من جهته رأى المحلل الاقتصادي مهند الزنبركجي أن مواجهة التضخم تتطلب:
إصلاح المالية العامة، والحد تدريجياً من الاعتماد على تمويل العجز، عبر توسيع القاعدة الضريبية الفعلية، ودمج جزء من النشاط الاقتصادي غير المنظم ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية.
إعادة توجيه الإنفاق العام نحو الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية، بما يعزز القدرة الإنتاجية للاقتصاد ويخفف الضغوط السعرية على المدى المتوسط.
ولفت الزنبركجي إلى أن تحقيق استقرار نسبي في الأسعار يتطلب أيضاً:
اتباع سياسة نقدية أكثر انضباطاً وشفافية، عبر وضع سقوف واضحة لتمويل العجز.
ربط التوسع في الكتلة النقدية بمؤشرات اقتصادية مثل نمو الإنتاج أو تحسن الاحتياطيات الأجنبية.
إعطاء أولوية للأمن الغذائي عبر دعم مدخلات الإنتاج الزراعي.
صيانة شبكات الري والبنية التحتية للنقل.
تشجيع إقامة المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
تنويع الشركاء التجاريين وتعزيز المنافسة في عمليات الاستيراد والتوزيع.
ويجمع الخبراء على أن تحقيق استقرار مستدام للأسعار في سوريا يرتبط بتوفير بيئة مؤسساتية مستقرة تسمح بإطلاق عملية إعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، وإعادة بناء المؤسسات المالية والنقدية على أسس مهنية واضحة.