دمشق-سانا
تشهد سلاسل الإمداد الدولية أسوأ أزمة منذ عقود مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز بشكل فعلي وتعطيل الملاحة في أحد أهم الشرايين البحرية في العالم.
وعقب إعلان إيران إغلاق المضيق، الذي يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية و20% من تجارة الغاز المسال، وجدت مئات السفن نفسها عالقة، وتشير بيانات شركة “كيبلر” لتتبع السفن إلى أن أكثر من 200 ناقلة لا تزال متوقفة في الخليج.
وعلّقت كبرى شركات الشحن العالمية مثل “ميرسك” الدنماركية و”هاباغ لويد” الألمانية عملياتهما في المضيق، وأعادتا توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح، مما يضيف 15-20 يوماً لوقت العبور ويرفع تكاليف التشغيل بشكل كبير.
قفزة تاريخية في التأمين وأسعار النفط
مع تصاعد المخاطر، بدأت شركات التأمين رفع أقساط التغطية بنسب غير مسبوقة، حيث كشفت “فاينانشال تايمز” أن شركات التأمين أصدرت إشعارات إلغاء نادرة تمهيداً لإعادة تسعير التغطية بزيادات قد تصل إلى 50%.
وحذر مسؤول تأمين هياكل السفن ومخاطر الحرب في شركة الوساطة “مارش” ديلان مورتيمر، من أن “تكلفة تأمين سفينة بقيمة 100 مليون دولار كانت 250 ألف دولار للرحلة، وستقفز إلى 375 ألف دولار” وفق ما نقلته فاينانشال تايمز في 28 شباط.
كما قفزت أسعار النفط 13% متجاوزة 82 دولاراً للبرميل، مع توقعات بأن تصل إلى 100-120 دولاراً. وأظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن أن كلفة استئجار ناقلة نفط كبيرة تجاوزت 200 ألف دولار يومياً، وهو أعلى مستوى منذ 2020.
وكشف كريستوف روفيه، المحلل في شركة “كيبلر” لتتبع السفن، أن “نحو 33% من أسمدة العالم تعبر مضيق هرمز، حيث أنه لا توجد بدائل عملية، والطرق البرية محدودة للغاية، مضيفاً أن ارتفاع أسعار الطاقة سينعكس مباشرة على أسعار الأسمدة، ومن ثم على أسعار الغذاء عالمياً.
أسواق المال تنهار والذهب يحلق
تراجعت المؤشرات الرئيسية عالمياً، حيث انخفض “إس آند بي 500″ بنسبة 1.5%، و”ستوكس 600” الأوروبي بنسبة 1.8%. في المقابل، قفز الذهب كملاذ آمن 1.72% إلى 5368 دولاراً للأوقية.
وفي تعليقها على التداعيات، أكدت مجموعة “غولدمان ساكس” الاستثمارية أن استمرار إغلاق المضيق 4 أشهر قد يدفع أسعار النفط لمستويات تتجاوز 150 دولاراً، مما يخلق موجة تضخمية عنيفة تدفع المستثمرين إلى الذهب كملاذ آمن.
كما رفع “جيه بي مورغان” توقعاته لسعر الذهب إلى 6300 دولار بنهاية العام، مدفوعاً بطلب البنوك المركزية على تنويع الاحتياطات.
آسيا الأكثر تضرراً.. وبدائل محدودة
تعد الصين واليابان وكوريا والهند الأكثر تضرراً من تعطل الملاحة، حيث حذر بيتر ساند، كبير المحللين في منصة “زينيتا” لتحليل الشحن، من أن “التصعيد العسكري سيدفع إلى مزيد من تسليح التجارة، ويحطم آمال عودة الملاحة في البحر الأحمر خلال 2026″، مضيفاً إن استمرار تحويل مسار السفن حول رأس الرجاء الصالح سيستمر لسنوات”.
ورغم وجود خطوط أنابيب بديلة في السعودية والإمارات، إلا أن دولاً مثل الكويت وقطر لا تملك أي بديل سوى العبور عبر مضيق هرمز.
ويمثل عام 2026 نقطة تحول تاريخية، حيث تحولت سلاسل الإمداد إلى ساحة مواجهة استراتيجية تدفع فيها أثمان اقتصادية باهظة بفعل الحروب والتوترات الجيوسياسية.
ومع استمرار التصعيد وارتفاع مخاطر الإمدادات، تتزايد الضغوط على الاقتصاد العالمي الذي يواجه بالفعل تضخماً مرتفعاً وتباطؤاً في النمو، ما يجعل أي صدمة نفطية جديدة عاملاً إضافياً يهدد استقرار الأسواق ويعمق التحديات أمام الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء.