دمشق-سانا
شبّه أبو منصور الثعالبي عنايته بكتاب «يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر» بعناية إنسان يبني داره، ثم يعيد بناءها ويحسّنها، فقد ظل يراجع مادته ويضيف إليها ويجدد ترتيبها، حتى استوت على الصورة التي أرادها.
ومن حكاية هذا البناء المتواصل، تفتح زاوية «أمهات الكتب» هذا الأسبوع صفحات مصنّف حفظ أخبار شعراء وكتّاب، ورسم ملامح الحياة الأدبية في أقاليم متعددة، وجمع التوثيق إلى الذائقة النقدية.
الثعالبي.. عناية باللغة والأدب
هو أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري، الذي عاش بين عامي 350 و429هـ، ويذكر ابن خلكان في «وفيات الأعيان» أن لقبه ارتبط بعمله في خياطة جلود الثعالب وصناعة الفراء.
وتوزعت عنايته بين اللغة والشعر والنثر وأخبار الأدباء، وترك مؤلفات عديدة، منها «فقه اللغة وسر العربية» و«ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» و«سحر البلاغة وسر البراعة»، لتكشف هذه الاهتمامات عن طبيعة تكوينه الأدبي واللغوي، الذي انعكس في «اليتيمة» من خلال الجمع بين اختيار النصوص، والتعريف بأصحابها، والتعليق على ألفاظها ومعانيها.
كتاب لحفظ محاسن المعاصرين
نشأ مشروع «اليتيمة» في بيئة أدبية تعددت حواضرها ومجالسها، وتوزعت بين بلاطات الحمدانيين والبويهيين وغيرهم، حيث أتاح هذا التنوع للثعالبي أن يجمع مادة تتجاوز حدود المدينة الواحدة، وتكشف صلات الأدباء بالأمراء والوزراء والكتّاب.
وفي مقدمته، يوضح أنه أراد جمع محاسن أهل عصره بعدما اعتنى المؤلفون السابقون بشعراء الأزمنة المتقدمة، ويذكر أنه شرع في العمل سنة 384هـ، ثم عاد إلى مادته حين تجمعت لديه زيادات من أفواه الرواة، فوسّعها وأعاد ترتيبها وتبويبها، وهكذا كان الكتاب حصيلة جمع ومراجعة امتدا عبر سنوات.
ولعنوان «اليتيمة» تفسير شعري أورده ابن خلكان على لسان ابن قلاقس، يربط بقاء الأشعار برحيل أصحابها، إذ يقول:
أبيات أشعار اليتيمة… أبكار أفكار قديمة
ماتوا وعاشت بعدهم… فلذاك سميت اليتيمة
وهو تفسير يكشف كيف تلقى أحد الشعراء الكتاب، ورأى فيه موطناً للنصوص التي تعيش بعد مبدعيها.
أربعة أقسام ترسم جغرافيا الأدب

وزّع الثعالبي كتابه على أربعة أقسام، تناول الأول أشعار آل حمدان وشعرائهم وغيرهم من أهل الشام وما يجاورها، ومصر والموصل والمغرب، وخصّ الثاني بأهل العراق وأدباء الدولة البويهية، أما الثالث فتناول أهل الجبال وفارس وجرجان وطبرستان وأصفهان، والرابع أهل خراسان وما وراء النهر.
وتتفرع هذه الأقسام إلى أبواب وفصول تجمع أخبار الشعراء والكتّاب والأمراء والقضاة ومختارات من إنتاجهم، وبذلك يتيح ترتيب الكتاب متابعة الأدب في بيئاته المختلفة، والتعرف إلى المجالس والعلاقات التي أسهمت في انتشاره.
الرواية والانتخاب والنقد
اعتمد الثعالبي في كثير من مادته على مشافهة الأدباء، أو النقل عمن عرفوهم، واستعان بالدواوين لاختيار نماذج من الشعر، فمنحت هذه الصلة بمعاصريه كتابه قيمة توثيقية، فيما كشفت طريقة الانتخاب والتعليق عن حضور المؤلف ناقداً وصاحب ذوق.
ومن الشواهد على ذلك الباب الأول، الذي يفاضل فيه بين شعراء الشام وشعراء سائر البلدان، إذ يربط تقدم شعراء الشام، في تقديره، بقربهم من مواطن العرب وسلامة ألسنتهم، واجتماع «فصاحة البداوة وحلاوة الحضارة»، ورعاية الأمراء للشعر ومكافأتهم أصحابه، ولا يعبر هذا الرأي عن تعصبه بقدر ما يظهر معاييره النقدية ومحاولته تفسير الإبداع بعوامل لغوية واجتماعية.
ويظهر الجانب التحليلي أيضاً في تناوله المتنبي تحت عنوان «ما له وما عليه»، حيث يعرض محاسن شعره وما يأخذه عليه من تعقيد أو مبالغة أو استعمال للألفاظ، مقدماً مادة تساعد على فهم طرائق قراءة الشعر وتقويمه في عصره.
قيمة توثيقية وأسئلة نقدية
عدّ ابن خلكان «اليتيمة» أكبر كتب الثعالبي وأحسنها وأجمعها، فيما تتجلى قيمتها في حفظ نصوص وأخبار لأدباء لم تصل آثار بعضهم كاملة، وفي توثيق الذوق الأدبي والعلاقات بين الشعر والكتابة ومجالس الحكم.
وفي دراسة «الأنساق الثقافية في يتيمة الدهر للثعالبي»، المنشورة في مجلة اللغة العربية وآدابها بجامعة الكوفة عام 2019، يبحث عماد جغيم عويد العوامل الثقافية التي وجّهت اختيارات المؤلف وتعليقاته، ويرى أن بعض هذه الاختيارات تأثر بالأنساق المهيمنة، مع وجود محاولات لتجاوزها، وهي قراءة تفتح باباً لدراسة الكتاب بوصفه تعبيراً عن ثقافة عصره، وعن مواقف مؤلفه داخلها.
أثر ممتد وحضور متجدد
فتح «يتيمة الدهر» طريقاً لمؤلفات سارت على نهجه، منها «دمية القصر» للباخرزي، و«خريدة القصر» للعماد الأصفهاني، كما امتد أثره إلى «الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة» لابن بسام الأندلسي، ويكشف هذا الامتداد عن أهمية الجمع بين تراجم الأدباء ومختارات إنتاجهم وتنظيمها بحسب الأقاليم.
وتوضح الدراسات الحديثة، ومنها دراسة عويد، استمرار إمكان قراءة الكتاب بمناهج جديدة، تتناول الاختيارات الأدبية وعلاقتها بالثقافة والمجتمع، إلى جانب الإفادة من نصوصه وأخباره.
من التحقيق إلى الإتاحة الرقمية
من نشرات الكتاب طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، بتحقيق الدكتور مفيد محمد قميحة، الصادرة سنة 1983، ومن طبعاته الحديثة طبعة دار القلم بدمشق، الصادرة سنة 2024 بتحقيق الدكتور محمد عبد الله قاسم في عشرة مجلدات، وإلى جانبها «تتمة اليتيمة» في مجلدين بتحقيقه أيضاً، حيث تضم التتمة استدراكات المؤلف من تراجم وأشعار، وتوسعات في التعريف بأدباء سبق أن تناولهم.
ذاكرة تتجاوز أسماء أصحابها
احتفظ «يتيمة الدهر» بمكانته لأنه حفظ النصوص مع أخبار أصحابها وبيئاتهم، وأتاح للأجيال اللاحقة أن تقرأ الشعر وتتعرف إلى الحياة التي نشأ فيها، ومن هذه الصلة بين الأدب وذاكرة عصره، تتجدد قيمة الكتاب بين «أمهات الكتب»، شاهداً على جهد الثعالبي في جمع ما تفرق، وصون ما كان معرضاً للنسيان.