دمشق-سانا
يفتح الروائي السوري مضر عدس في روايتيه “رحلة إلى إسطنبول” و”ساعة واحدة في ضوء النهار” نافذتين زمنيتين على الهجرة السورية، تقع أحداث الأولى عام 2014، بعد عبور ثلاثة شبان الحدود وانتظارهم طريقاً آمناً إلى أوروبا، بينما ترجع الثانية إلى هزيمة حرب 1948، وتتابع أثرها في عائلة تمتد حكايتها حتى عام 2011.
ومن اختلاف زمن البداية تتبلور رؤية مضر عدس المشتركة للهجرة، فهي اقتلاع يبدأ قبل عبور الحدود، حين يفقد الإنسان أمانه وتتراجع قدرة البيت على حماية أحلامه، ففي رحلة إلى إسطنبول تتجسد الهجرة في خروج الجسد إلى منفى معلّق، بينما تكشف عائلة الفران في ساعة واحدة في ضوء النهار أن تاريخ ذلك الخروج، كان تاريخاً صنعته الهزائم والسجون والفقد، ودفع أصحابه إلى البحث عن حياة أخرى داخل البلاد أو خارجها.
إسطنبول مدينة معلّقة بين مصيرين
يضع عدس أبطال رحلة إلى إسطنبول في ملحق شقة بإحدى ضواحي المدينة، خرجوا من سوريا ولم يصلوا إلى هولندا التي يتطلعون إليها، فصار الانتظار مكانهم الحقيقي، فتظهر إسطنبول مساحة مؤقتة تثقلها الأسئلة: هل يجدون طريقاً آمناً إلى أوروبا؟ وهل تمنحهم الوجهة الجديدة ما سلبه الخوف منهم؟
وسط هذا التعليق القاسي، تفسح الرواية مجالاً للحب والصداقة وخفة الظل، فيبتدع الشبان مرحهم في ذروة المرارة، وفق الوصف المنشور للعمل، وتغدو السخرية وسيلة لحماية الذات من الانهيار، والضحك لا يمحو المأساة ولا يخفف أخطار الطريق، إنما يعيد إلى الشخصيات قدرتها على اختيار لحظة إنسانية صغيرة في واقع يكاد يسلبها كل خيار.
تعود ساعة واحدة في ضوء النهار إلى عائلة الفران، وتجعل التاريخ العام تجربة معيشة داخل البيت، عندما يرجع توفيق الفران من حرب 1948 محملاً بالألم ثم ينسحب إلى المال والتجارة والأسرة، كأن نجاحاته الخاصة قادرة على ترميم خسارة لم يخترها، غير أن شعور الهزيمة ينتقل إلى الأبناء وتغيّر علاقتهم بالمكان والمستقبل ولاسيما بعد الحروب المتتالية التي خاضها العرب ضد الاحتلال الإسرائيلي.
السجن يقتلع العمر من الداخل
تتعمق عزلة ممدوح حين يقضي اثني عشر عاماً في السجن، الذي لا يسلبه حريته وحدها، بل ينتزع زمناً كان يمكن أن يبني فيه مهنته وحبه وحياته، وعندما يصل السرد إلى عام 2011، تبدو صيحات الحرية انكشافاً لما تراكم من خوف وغياب وخيبات، يسمع فيها ممدوح صدى حق فقده منذ سنوات.
تغادر لينا، المرأة التي أحبها، إلى الولايات المتحدة، ويبقى ممدوح في سوريا، وهنا يفترق المساران جغرافياً ويلتقيان نفسياً، لينا تحمل وطنها في الذاكرة، وممدوح يعيش داخل وطنه، وتقترح الروايتان أن الإقامة لا تضمن الانتماء، كما لا تعني المغادرة انقطاعاً كاملاً، فقد يهاجر الإنسان وهو في بيته، وقد يظل المكان مقيماً فيه بعد الرحيل.
حين يصير الفقد وطناً موازياً
يمنح موت أسماء، شقيقة ممدوح، هذه الفكرة بعداً عائلياً أشد إيلاماً، يحاول توفيق مقاومة غيابها بإقامة مقام بالغ الترف، ثم يتبرع بما بقي من ثروته للجامعة التي كان يفترض أن تلتحق بها، يحول المال الفقد إلى بناء وتبرع، من دون أن يستعيد الغائبة أو يعيد للأسرة توازنها.
هكذا يصير البيت أرشيفاً للخسارات: أب أنهكته هزيمة، وابن سرق السجن اثني عشر عاماً منه، وحب أضاعته المسافة، وابنة غيبها الموت، لا تأتي الهجرة نتيجة حادث واحد، تنمو تدريجياً كلما ضاقت مساحة الأمان، وحين يعبر أبطال الرواية الأولى الحدود، يكون الرحيل قد بدأ في بيوت كهذه قبل المطارات والمرافئ بسنوات.
السرد يواجه التاريخ بالتفاصيل الصغيرة
فنياً، يبني عدس الصلة بين الخاص والعام عبر الحركة بين الأزمنة والأمكنة، ينتقل السرد من عودة توفيق عام 1948 إلى السجن والمظاهرات التي اندلعت مع ربيع 2011، يشبه هذا الانتقال تقطيعاً سينمائياً يجعل الأزمنة تتجاور، ويكشف أن الماضي يبدل صورته ويواصل عمله في الجيل التالي.
تتكامل الروايتان عند هذه النقطة: تلتقط رحلة إلى إسطنبول لحظة البحث عن مخرج، وتنقب ساعة واحدة في ضوء النهار في الأسباب التي جعلت ذلك المخرج ضرورة، حيث يرسم المؤلف بين شقة إسطنبول وبيت الفران هجرة ذات مستويين، جسد يقطع الحدود، وروح تفقد وطنها قبل أن تغادر.
نبذة عن الروايتين والمؤلف
يشار إلى أن رواية “ساعة واحدة في ضوء النهار” صادرة عام 2018 عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان في 327 صفحة، أما رواية رحلة إلى إسطنبول فصدرت عام 2019 عن دار بردية للنشر والتوزيع في القاهرة، وتقع في 238 صفحة.
مضر عدس روائي وقاص وصحفي سوري، تنشغل كتاباته بالذاكرة السورية وتداعيات الهجرة والسجن وأثر الاستبداد، وتنحاز بوضوح إلى الحرية.