دمشق-سانا
في زمن تفرض فيه المنصات الرقمية إيقاعاً سريعاً على الكتابة، وتتكرر فيه مفردات محدودة في الأخبار والمحتوى اليومي، تستعيد الطبعة الجديدة من كتاب “نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد” لإبراهيم اليازجي أحد أشهر معاجم المعاني في اللغة العربية.
وأعادت دار روائع الكتب الدمشقية تقديم الكتاب في طبعة علمية خلال العام الحالي من 575 صفحة، قدّم لها الدكتور محمد رضوان الداية، وضبطها واعتنى بها جيهان الحاج يحيى، لتتيح للباحثين والكتّاب مرجعاً وتدريباً على اختيار اللفظ الدقيق وتجاوز التعبير الجاهز في الكتابة الصحفية والأدبية والترجمة.
المعنى يقود إلى اللفظ الأدق
ويحيل العنوان إلى مورد لغوي يقصده طالب العبارة، وهو ما ينسجم مع منهج اليازجي في ترتيب مادته على المعاني لا على الحروف كما هو سائد في أغلب الكتب اللغوية، وقسّم المؤلف كتابه إلى اثني عشر باباً تتفرع إلى فصول، تبدأ بالخلق والفطرة، وتمر بالغرائز والانفعالات والعلم والأدب والمجتمع والسياسة والطبيعة، وتنتهي بالدهر والشؤون الأخروية.
وتظهر جدوى المنهج في أمثلته؛ ففي فصل النوم والسهر يجمع اليازجي بين نام ورقد وهجع وهجد، ثم يخص الرقاد بالنوم الطويل، والهجوع والهجود بالنوم ليلاً، وفي فصل السرور والحزن ينتقل من الأفعال المباشرة مثل سرّني وأبهجني إلى صور تعبيرية مثل شرح صدري وأثلج نفسي، فيمنح الكاتب أكثر من درجة وصيغة للمعنى الواحد.
تحقيق جديد يفتح أبواب التراث
لا تنحصر قيمة الطبعة في إعادة الطباعة، إذ اعتمد العمل على مقابلة النص بالطبعة الصادرة في حياة المؤلف والاستفادة من الطبعات اللاحقة، مع إثبات الإضافات في الحواشي، وضبط الكلمات المشكلة، وشرح مواضع تحتاج إلى بيان، وإعداد فهارس للمصادر والموضوعات.
وتحول هذه الإجراءات التحقيق من قائمة تقنية إلى خدمة مباشرة للقارئ؛ فالحركات تمنع التباس اللفظ النادر، والحاشية تميز كلام اليازجي من الإضافات، والفهرس يختصر الطريق إلى المعنى، وهكذا يصبح النص القديم قابلاً للاستخدام في الجامعة وغرفة الأخبار ومكتب الترجمة، مع الحفاظ على بنيته التراثية.
مسيرة في خدمة العربية
ولد إبراهيم اليازجي في بيروت عام 1847، وكان من أعلام النهضة الأدبية واللغوية، وعمل في الصحافة والتعليم والطباعة، وأصدر مجلتي “البيان” و”الضياء” قبل وفاته في القاهرة عام 1906.
ويعيد تقديم الداية للكتاب، وعناية دار دمشقية بطبعته، وصل الجهد البيروتي النهضوي بخبرة التحقيق السورية، مؤكداً أن خدمة العربية مشروع معرفي تتقاسمه حواضر الثقافة.
وبين أصل وضعه اليازجي لتسديد أقلام الكتّاب، وطبعة تيسر قراءته اليوم، يستعيد نجعة الرائد وظيفته العملية: توسيع القاموس، وترميم حساسية الكاتب تجاه الفروق، ومقاومة تسطيح اللغة في عصر السرعة.