دمشق-سانا
في خطوة تعكس نجاح الجهود الدبلوماسية والثقافية الرامية إلى استعادة الموروث الحضاري السوري، كشفت المديرية العامة للآثار والمتاحف اليوم الأربعاء عن 23 قطعة أثرية كانت معارة إلى معهد العالم العربي في باريس بفرنسا، بعد فتح صناديقها للمرة الأولى في المتحف الوطني بدمشق، إيذاناً بعودتها إلى موطنها الأصلي، وتمهيداً لعرضها أمام الجمهور.
من الإعارة إلى الاسترداد.. رحلة امتدت 15 عاماً

تعود قصة هذه القطع إلى عام 2010، حين أُعيرت إلى معهد العالم العربي في باريس للمشاركة في معرضه الدائم الذي يروي تاريخ الحضارة العربية، وكان من المقرر إعادتها عام 2014، إلا أن الظروف التي شهدتها سوريا حالت دون ذلك، قبل أن تُستكمل أخيراً إجراءات استردادها بالتنسيق بين الجانبين السوري والفرنسي، لتعود إلى دمشق بعد 15 عاماً من خروجها.
جهود دبلوماسية وتوثيق علمي لإعادة الكنوز الأثرية

أعرب أيمن نابو، مدير دائرة التنقيبات في المديرية العامة للآثار والمتاحف خلال الفعالية، عن سعادته بعودة القطع الأثرية إلى سوريا، موضحاً أن عملية الاسترداد جاءت ثمرة جهود دبلوماسية استندت إلى اتفاقيات سابقة ومتابعة وزارة الثقافة خلال زيارة وزير الثقافة محمد ياسين الصالح إلى فرنسا العام الماضي.
وبيّن أن القطع خضعت للمطابقة مع كتالوجات المديرية بحضور فريق علمي متخصص قبل نقلها إلى سوريا على متن الطائرة الرئاسية الفرنسية أول أمس وفق البروتوكولات المتبعة، مؤكداً أن المديرية ستواصل التنسيق مع دول أخرى لاستعادة آثار سوريّة خرجت بطرق مختلفة، وأن القطع ستُعرض في معرض مؤقت بالمتحف الوطني لإتاحة الفرصة للجمهور ووسائل الإعلام الاطلاع عليها، موجهاً الشكر لجميع الجهات التي أسهمت في إنجاز هذا الملف.
قطع نادرة توثق آلاف السنين من الحضارة السورية

أكدت الدكتورة ريمة الخوام، أمينة المتحف الوطني بدمشق، أن استعادة القطع الأثرية تمثل خطوة مهمة في جهود حماية التراث السوري وإبرازه محلياً ودولياً، موضحة أن هذه المجموعة تضم آثاراً تمتد من عصور ما قبل التاريخ مروراً بالشرق القديم والعصور الكلاسيكية وصولاً إلى الفترة الإسلامية العربية، بما يعكس تنوع الحضارات التي ازدهرت على أرض سوريا والقيمة التاريخية والفنية والجمالية التي تحملها هذه المقتنيات.
وأضافت: إن استرداد القطع جاء ثمرة تعاون دبلوماسي وثقافي متزايد بين البلدين، مشيرة إلى أن إعادتها عبر الطائرة الرئاسية الفرنسية، حملت رسالة تؤكد المكانة التي يحتلها التراث السوري وعمق الالتزام بحمايته، مؤكدة أن الحفاظ على هذه الكنوز مسؤولية مشتركة بين المديرية العامة للآثار والمتاحف والجمهور السوري والمجتمع الدولي.
بدورها، أوضحت نيفين سعد الدين، أمينة متحف الآثار العربية والإسلامية بدمشق، أن القطع الـ 23 التي كانت مشاركة ضمن معرض “معهد العالم العربي”، تمثل جانباً مهماً من تاريخ سوريا، إذ جاءت من متاحف عدة، بينها المتحف الوطني بدمشق ومتاحف حلب وتدمر، وتضم آثاراً تعود إلى فترات تاريخية تمتد حتى الألف التاسع قبل الميلاد، ومن مواقع أثرية بارزة مثل ماري وتل الأسود.
وأضافت: إن المعرض المؤقت في المتحف الوطني يهدف إلى تمكين الجمهور من التعرف على هذه القطع ودلالاتها التاريخية، قبل إعادتها إلى الجهات المختصة والمتاحف المالكة لها، معربة عن شكرها لكل من أسهم في إنجاز هذه المبادرة.
ووفق مديرية الآثار والمتاحف، تضم المجموعة المستردة قطعاً نادرة تمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى العصور الإسلامية، من أبرزها تمثال من مدينة ماري الأثرية (تل الحريري)، وقطعة تحمل كتابات صفائية، وجزء من إفريز تدمري يمثل رحلة صيد، ونقش باللغة التدمرية، إضافة إلى أجزاء من لوحات جدارية ملونة من قصر الحير الغربي، وحشوة باب مزخرفة من قلعة جعبر، إلى جانب قطع أخرى ذات قيمة تاريخية وفنية كبيرة.
وتشكل عودة هذه القطع خطوة جديدة ضمن مسار تعمل عليه سوريا لاستعادة المزيد من آثارها الموجودة خارج البلاد، في إطار الجهود الهادفة إلى صون الموروث الثقافي السوري وتعزيز حضوره للأجيال القادمة.
وتسملت المديرية العامة للآثار والمتاحف أمس الثلاثاء في المتحف الوطني بدمشق 23 قطعة أثرية سوريّة كانت في معهد العالم العربي بباريس بعد غياب دام 15 عاماً.





