دمشق-سانا
في ربيع عام 1974، يقف أطفال قرية بصلجة لتحية العلم أمام مدرسة موزعة على غرفتين، فيما يراقبهم الأستاذ رمضان.
يستعيد الكاتب والشاعر عيسى الشيخ حسن هذا المشهد الصغير، فيحوّله إلى نافذة على طفولة المكان وتعليمه وعلاقاته الاجتماعية، ومدخل لقراءة مجتمع فراتي كامل في كتابه الصادر حديثاً تحت عنوان الكاتب والشاعر عيسى الشيخ حسن، الذي يضم 49 مقاربة سردية تمزج السيرة الشخصية بالذاكرة الجمعية، وتستحضر القرى والحقول وضفاف الفرات والبيوت الطينية وبيوت الشعر بعاداتها ومفرداتها وحكاياتها اليومية.
من السيرة الفردية إلى ذاكرة الجماعة
الكتاب، الصادر في طبعته الأولى عام 2026 عن دار نرد للنشر والتوزيع في ألمانيا، هو باكورة سلسلة “أمالي فراتية”، ويقع في نحو 200 صفحة من القطع المتوسط، بغلاف صممه فايز العباس وصورة لعبّود حمام، ومراجعة وتنضيد عبد القادر الجاسم.
وفي صفحاته يتنقل الشيخ حسن بين تفاصيل الخبز والحليب والرعي والحصاد والضيافة والأعراس والألعاب الشعبية ومواسم الفرح والحزن، مستحضراً الأهل والأصدقاء والمعلمين والرعاة والفلاحين والراحلين، لا لتزيين مشهد حنيني، بل لتقديم شخصيات تكشف، عبر حكاياتها ومصائرها، طبيعة الحياة في المجتمعات الفراتية وما طرأ عليها من تحولات.
وتمنح المقاربات السردية المؤلف حرية الانتقال بين الحكاية الشخصية والتأمل الاجتماعي والبحث اللغوي، بحيث تتسع ذكرى القرية أو المدرسة أو أحد الراحلين لتصبح جزءاً من سيرة جماعية عاش أصحابها تحولات قاسية، ثم تفرق كثير منهم في المنافي والبلدان.
حين يصبح المكان بطلاً
يرى الناقد عبد الكريم البليخ في مقال نشره في منصة “المزمار الفراتي” عن “مصباح الخميس” بأن الكتاب يمثل محاولة واعية لإنقاذ ذاكرة كاملة من التبدد، ورد الاعتبار إلى أصوات بقيت طويلاً خارج السردية الثقافية السائدة، لافتاً إلى أن المكان فيه يتقدم ليصبح بطلاً لا مجرد خلفية للأحداث.
وتتجلى أهمية التجربة في تحويل التفاصيل المحلية إلى أسئلة إنسانية أوسع عن الانتماء والفقد والهجرة وصلات الإنسان بالمكان، فالسيرة الفردية لا تنغلق على صاحبها، وإنما تتيح للقارئ التعرف إلى مجتمع من خلال حياة أفراده ولغتهم وعاداتهم.
اللهجة المحلية تستعيد موقعها
لا يتعامل المؤلف مع الموروث الفراتي بوصفه سجلاً جامداً، بل يقترب من شفاهيات أهله بروح السارد وعين الباحث، متتبعاً أصول الكلمات وتحولاتها الدلالية، وواصلاً بين اللهجة المحكية والفصحى وما حفظته المعاجم العربية.
ويؤكد الشيخ حسن في تصريح لسانا أن الكتاب يسعى إلى التعبير عن الثقافة الشفاهية الفراتية من خلال تتبع التطور الدلالي لألفاظ تنفرد بها اللهجة المحلية، موضحاً أنها حافظت على عدد من مفردات العربية وطورت بعضها.
وهنا لا تؤدي اللغة وظيفة التوثيق وحدها، بل تصبح أداة لمساءلة العلاقة بين المركز والهامش، فأهل المنطقة وفق رؤية المؤلف، عاشوا في فضاء جغرافي بعيد عن دمشق وحلب وبغداد وإسطنبول، واحتفظوا بقدر من الاستقلال الثقافي، مع بقائهم في سرديات تلك الحواضر على هامش المشهد.
ومن خلال تتبع الكلمات والحكايات، يحاول الكتاب قراءة الثقافة الفراتية من داخلها، بعيداً عن الصور النمطية، وإظهار ما تختزنه لهجتها من تاريخ وتجارب وعلاقات اجتماعية، وبذلك يصبح الانتقال بين الفصيح والمحكي جزءاً من بناء المعنى، لا مجرد استعراض لغوي.
”أمالي فراتية” في مواجهة الغياب
تكتسب هذه التجربة راهنيتها في وقت تواجه فيه الذاكرة الشفاهية السورية خطر التبدد بفعل الحرب والهجرة وتفرق العائلات وتراجع تداول الحكايات والمفردات المحلية بين الأجيال الجديدة.
يستعيد “مصباح الخميس” الماضي لفهم ما أصاب المكان والإنسان من تحولات، فالحنين هنا وسيلة لمقاومة الغياب، والكتابة محاولة لحفظ ما لم يجد طريقه إلى الوثائق والسجلات الرسمية.
ويستفيد الشيخ حسن من تقاليد الأمالي في التراث العربي، القائمة على جمع الأخبار واللغة والحكايات والمعارف، لكنه يوظفها في مشروع معاصر يمنح الشفاهيات الفراتية بنية أدبية قابلة للقراءة والتداول، حيث يقدم نماذج من الثقافة الشفاهية في الجزيرة السورية، ويضيء على مفرداتها وحكاياتها وذاكرتها الاجتماعية والإنسانية.
وبهذا يضع “مصباح الخميس” الحكاية المحلية في متن الثقافة، ويمنح أصوات الناس العاديين مساحة تحفظ حضورهم، في زمن بات فيه تدوين الذاكرة ضرورة لحمايتها من الغياب.