دمشق-سانا
في وقت تتجه فيه الأبنية الحديثة نحو الإسمنت والمواد المصنّعة، عاد الطين، أقدم مواد البناء، إلى طاولات البحث والتجريب في جامعة دمشق، خياراً قابلاً للتطوير والمشاركة في بناء المستقبل، وذلك خلال معرض “من الطين نبني” الذي احتضنته كلية الهندسة المعمارية اليوم الخميس، وعرض المشاركون فيه نتاج ورشة تطبيقية حول اللَّبِن والطين.
حين يستعيد الطين ذاكرته العمرانية
بين نماذج البناء وعينات التربة والقوالب المستخدمة في صبّها، فتح المعرض نافذة على العمارة الترابية بوصفها معرفة تراكمت عبر أجيال، ولا تزال قادرة على إلهام حلول معاصرة تراعي خصوصية المكان وموارده وذاكرته.

وافتُتح المعرض بحضور وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، الذي أوضح أن العمارة السورية تختصر تنوع الجغرافيا السورية، من الحجر والبازلت إلى الطين والخشب، وهي مواد لم تكن مجرد عناصر للبناء، بل خلاصة خبرات متوارثة انعكست في أساليب العيش وهوية المكان.
معرفة الأجداد بعين البحث الحديث
وأكد وزير الثقافة خلال الافتتاح أن العودة إلى مواد البناء التقليدية لا تعني استنساخ الماضي، وإنما دراسة المعرفة التي راكمها السوريون وتطويرها وفق البحث العلمي والمعايير الحديثة، بما يلائم احتياجات الحاضر.

وبيّن أن التراث لا يقتصر على المباني القائمة، بل يشمل المعرفة التي أنشأتها والمهارات التي تناقلتها الأجيال، لافتاً إلى أن فقدان هذه الخبرات يعني خسارة جزء أساسي من التراث، حتى وإن بقيت جدرانه قائمة.
وتكتسب هذه المعرفة، وفق الصالح، أهمية مضاعفة في مرحلة إعادة الإعمار وصون التراث، لأنها تطرح أسئلة تتصل بالهوية العمرانية وعلاقة الإنسان بالأرض والذاكرة والبيئة، كما يتيح تدريب الأجيال الجديدة وتوطين الخبرات الوصول إلى ترميم أكثر وعياً وإعمار يحفظ خصوصية المكان، ويجعل المعرفة الموروثة أساساً حياً للمستقبل.
كوادر متخصصة تحمي ذاكرة العمران

من جهته، أكد نقيب المهندسين في سوريا المهندس مالك حاج علي أن حماية التراث وإنجاز إعادة إعمار تراعي هوية المكان يتطلبان عملاً تكاملياً بين المؤسسات والجامعات والمهندسين والباحثين، انطلاقاً من أهمية التراث السوري بوصفه ذاكرةً وهويةً وثروةً ثقافية واستثمارية.
ولفت حاج علي إلى الحاجة لإعداد كوادر هندسية متخصصة في ترميم المباني الأثرية وإحياء تقنيات البناء بالطين والمواد المحلية، ولا سيما في ظل ندرة الخبرات المتخصصة، داعياً إلى تطوير استخدام هذه المواد على أسس علمية، وتجنب استبدال العناصر التراثية بمواد لا تنسجم مع خصائصها.

بدوره، أكد رئيس جامعة دمشق الدكتور مصطفى صائم الدهر حرص الجامعة على أن تسهم الأنشطة والمشروعات المعمارية في حماية الهوية السورية والتعبير عن تاريخ البلاد وخصوصيتها الحضارية، وإعداد جيل يجمع بين المعرفة الحديثة والوعي بالتراث.
تدريب الكوادر الشابة من المهندسين والمهندسات
وبدأت فكرة الورشة التطبيقية حول اللبن والطين، بمبادرة من المهندسة المعمارية إسراء يعرب الشرع، الخبيرة في ثقافة البناء والمواد المحلية والباحثة المشاركة في مختبر CRAterre AC&EE في فرنسا، إلى جانب العمل في مجال الهندسة المعمارية بالمكاتب الهندسية في البلاد ذاتها، حيث أشرفت بشكل مباشر على تدريب الكوادر الشابة من المهندسين والمهندسات ونقل هذه المعرفة والعلم، وتزويدهم بالمهارات اللازمة.
وشاركت جهات ومؤسسات مجتمعية عدة في إنجاح الورشة، وهي: منظمة سيبلد (Sybuild) في فرنسا ومؤسسة أركان ومنصة تُراب و مَدَدْ الهندسي.
تطور العمارة الترابية
وقدمت المهندسة الشرع خلال هذا المعرض عرضاً مرئياً تضمن تطور العمارة الترابية واستحضرت تجارب عالمية من سور الصين العظيم وبعض المدن الفرنسية، إلى جانب أمثلة سورية ونماذج لمبانٍ متعددة الطوابق استخدمت فيها مواد الطين والحجر والخشب وفق طبيعة البيئة والمناخ.
وتحدثت الشرع في عرضها عن دور البحث العلمي في اختبار قوة المواد ومتانتها، وأهمية اختيار المادة المناسبة ووضعها في مكانها الصحيح بوصفهما أساساً للعمارة المستدامة، ولا سيما في مشروعات الترميم وإعادة الإعمار.
أيدٍ تختبر مواد الأرض السورية
لم تبقِ الفعالية الطين حبيس الشرح النظري، حيث انتقل الحضور إلى مسار تفاعلي ضمّ نماذج وعينات تربة جُمعت من مناطق سورية مختلفة، وعُرضت في حالتيها الجافة والرطبة، إلى جانب القوالب المستخدمة في صبها وتشكيلها.

وأتاح المسار للزوار خوض تجربة عملية مباشرة والتعرّف إلى خصائص المواد وطرق التعامل معها، في أجواء تفاعلية قرّبت تقنيات البناء الترابي من المشاركين، وحولت المعرض إلى مساحة للتعلم باليد والمشاهدة والتجريب.
وعرضت الفعالية أيضاً تجارب تعليمية شارك فيها طلاب وأطفال، في محاولة لتعزيز الثقة بالمواد المحلية ونقل المعرفة المرتبطة بها إلى الأجيال الجديدة، لتصبح الورشة نقطة لقاء بين خبرة الأجداد وأسئلة المعماريين الشباب حول الاستدامة وإعادة الإعمار.
ويؤكد المعرض أهمية إحياء تقنيات البناء المحلية وتطويرها بالبحث العلمي، بما يدعم الحفاظ على الهوية العمرانية والاستفادة منها في مشاريع الترميم وإعادة الإعمار.











