دمشق-سانا
“القارئ يقف أمام عمل أعدّه باحث متمكن من مادته العلمية، يتسم بالتعمق وحسن العرض”، بهذه الكلمات يقدّم ثلة من الأكاديميين كتاب الوافية في معرفة ما في الكافية للباحث فرمان حيدر، الصادر حديثاً في نحو 680 صفحة، بوصفه محاولة معاصرة لتقريب كتاب “كافية ذوي الأرب في معرفة كلام العرب” للإمام ابن الحاجب، أحد أبرز متون النحو العربي وأكثرها حضوراً في حلقات التعليم عبر القرون.
ويعتمد الكتاب على شرح عبارات المتن الموجزة وتوضيح مصطلحاته وقواعده، مستعيناً بالشواهد القرآنية والحديثية والأدبية، في محاولة للجمع بين الدقة العلمية وسهولة العرض، وتقديم مادة تخدم طلاب العربية والباحثين والمدرسين.
شرح يقرّب المتن إلى القارئ
اعتمد الكتاب الصادر حديثاً عن دار ابن كثير منهجاً يقوم على تفكيك عبارات الكافية الموجزة، وشرح مصطلحاتها وتراكيبها، ثم توضيح القواعد بالشواهد والأمثلة، إلى جانب إيراد فوائد لغوية تساعد الطالب والباحث على استيعاب المسائل النحوية وربطها بسياقاتها.
ولا يكتفي الشرح بعرض الأحكام النحوية، بل يتناول الجوانب الفنية والنقدية والفكرية في النصوص المستشهد بها، مع تنظيم المباحث ومعالجة المواضع التي قد يصعب فهمها في المتن الأصلي.
ومن شأن هذا الأسلوب أن يجعل الكتاب مناسباً لطلاب اللغة العربية والباحثين والمدرسين الراغبين في قراءة المتن ضمن شرح يجمع بين المادة التراثية وأدوات العرض الحديثة.
قيمة علمية وشهادات أكاديمية
قال المشرف على إخراج الكتاب، الشيخ شاه منصور، أستاذ الحديث في جامعة الرشيد، في مقدمة الكتاب: إن العمل يكشف عن تمكن مؤلفه من مادته العلمية وقدرته على عرضها بصورة منظمة، مع تقديم محتوى مفيد يراعي وقت القارئ واحتياجات طلاب العربية وأساتذتها.
من جانبه، أوضح الدكتور عماد محمد يحيى، الأستاذ بجامعة أم القرى، أن الكتاب يستمد أهميته من اعتماده على مصادر أصيلة وتنوع شواهده المأخوذة من القرآن الكريم والحديث النبوي والشعر العربي والحِكم والمأثورات، الأمر الذي يعزز قيمته في الدراسات النحوية المعاصرة.
وتشير هذه الشهادات إلى غنى مصادر الكتاب وحسن تنظيم مادته، غير أن تحديد الإضافة التي يقدمها مقارنة بالشروح السابقة يحتاج إلى إبراز أمثلة مباشرة من صفحاته، ولا سيما أن الكافية حظيت بعشرات الشروح والحواشي على مدى قرون.
الكافية وامتدادها في الدرس النحوي
ألّف الإمام أبو عمرو عثمان بن عمر، المعروف بابن الحاجب، كتاب “كافية ذوي الأرب في معرفة كلام العرب” في القرن السابع الهجري، وجمع فيه أبواب النحو بعبارات موجزة ودقيقة، ما أكسبه مكانة واسعة في حلقات العلم والمدارس والجامعات الإسلامية.
ولد ابن الحاجب سنة 570 للهجرة، وتلقى علومه في القاهرة، وأخذ القراءات عن الإمام الشاطبي، ثم درّس في دمشق، واشتهر بتبحره في العربية والأصول والفقه، ووصفه المؤرخ ابن خلكان في كتاب “وفيات الأعيان” بحدة الذهن والتمكن من علوم العربية.
وظلت الكافية قروناً ضمن المقررات العلمية، ولا سيما في المشرق وشبه القارة الهندية، وأُلّف حولها أكثر من مئة شرح وحاشية ومنظومة بالعربية، إلى جانب أعمال بالتركية والفارسية والأردية والبشتوية.
ومن أشهر شروحها شرح رضي الدين الأستراباذي، والفوائد الضيائية لعبد الرحمن الجامي، إلى جانب شروح وتعليقات أخرى تناولت المتن بالتحليل والإعراب والتفصيل.
ويأتي كتاب “الوافية في معرفة ما في الكافية” ضمن هذا الامتداد العلمي، محاولاً إعادة تقديم المتن بلغة أقرب إلى القارئ المعاصر، من دون التخلي عن أصوله ومصطلحاته، وتبقى قيمة هذه المحاولة مرتبطة بقدرتها على تحويل الإيجاز الذي عُرفت به الكافية من عائق أمام المتعلم إلى مدخل منظم لفهم النحو العربي.