دمشق-سانا
من الفضاء اللامع الذي يقفز إليه ماريو ولويجي، إلى غابة مهددة بالزوال، وملعب صاخب تتصارع فيه الحيوانات، ثم أروقة يابانية مسكونة بالأسطورة، تبدو أفلام الرسوم المتحركة في عام 2026 كأنها تعيد فتح الشاشة الكبيرة أمام جمهور العائلة ومحبي الخيال البصري، بعدما تحولت من مادة موجهة للأطفال فقط إلى صناعة قادرة على الجمع بين الإيراد التجاري، والابتكار التقني، والرسائل الإنسانية.
وتشير بيانات موقع “بوكس أوفيس موجو” المتخصص في تتبّع إيرادات الأفلام في دور السينما حول العالم، إلى حضور لافت لأفلام التحريك في شباك التذاكر العالمي خلال النصف الأول من العام الحالي، في مشهد يجمع بين قوة السلاسل المعروفة، وجرأة الأعمال الأصلية، واتساع تأثير الأنيمي الياباني، بما يعكس استمرار قدرة هذا النوع السينمائي على منافسة الإنتاجات الضخمة وجذب شرائح عمرية متعددة.
ماريو إلى الفضاء.. السلسلة التي لا تهبط
تصدر فيلم “سوبر ماريو غالاكسي” قائمة أفلام عام 2026 عالمياً، بإيرادات بلغت نحو مليار دولار، وفق بيانات موقع بوكس أوفيس موجو، مؤكداً أن شخصيتي ماريو ولويجي لا تزالان تمتلكان قدرة استثنائية على استدعاء الحنين، وتحويل ذاكرة ألعاب الفيديو إلى تجربة سينمائية عائلية واسعة الانتشار.
وينقل الفيلم مغامرة الأخوين إلى فضاء بصري أكثر اتساعاً، حيث تمنح الكواكب، والمؤثرات الرقمية، وحركة الشخصيات السريعة، العمل هوية بصرية قريبة من عالم الألعاب، لكنها مصممة بروح سينمائية تناسب الشاشة الكبيرة، ولا يعتمد الفيلم في نجاحه على الاسم التجاري وحده، بل على قدرته على مزج الكوميديا والحركة والخيال، في بناء درامي خفيف الإيقاع يستهدف العائلة من دون التخلي عن جاذبيته لدى جمهور السلسلة الأصلي.
ويؤكد هذا النجاح أن أفلام التحريك المرتبطة بعلامات شهيرة لم تعد مجرد امتداد تسويقي لألعاب أو منتجات، بل باتت جزءاً من رهان الاستوديوهات على عوالم متكاملة، تستطيع أن تجمع بين المتعة البصرية، والذاكرة الشعبية، والإيرادات العالمية.
هوبرز.. قندس آلي ورسالة بيئية
في جانب الأعمال الأصلية، يبرز فيلم “هوبرز” من إنتاج بيكسار، بوصفه أحد العناوين اللافتة في موسم الرسوم المتحركة لعام 2026، وفقاً لصحيفةThe Guardian البريطانية، إذ تدور قصته حول مابل، وهي فتاة محبة للحيوانات تستخدم تقنية تسمح بنقل وعي الإنسان إلى جسد قندس آلي، قبل أن تجد نفسها في مواجهة تهديد بشري يطال عالم الحيوانات.
وتمنح هذه الفكرة الفيلم مدخلاً درامياً يجمع بين الخيال العلمي والكوميديا والمغامرة البيئية، مستفيداً من خبرة بيكسار في بناء شخصيات تخاطب الأطفال والبالغين معاً، فالقندس الآلي وسيلة بصرية ودرامية تبرز المفارقة بين الجسد التقني والحياة البرية، وتطرح سؤالاً أعمق حول علاقة الإنسان بالطبيعة وحدود تدخله في العالم الحيواني، بما يجعل البيئة بطلاً مهدداً لا مجرد خلفية للأحداث.
ماعز.. حين يصبح الملعب اختباراً للهوية
أما فيلم “ماعز”، فيقدم حكاية رياضية غير مألوفة عن ماعز صغير يحاول إثبات نفسه في رياضة خيالية عنيفة تهيمن عليها الحيوانات الأقوى، في قالب يمزج بين الكوميديا والحركة وروح المنافسة، وتنبع جاذبية القصة من قلب معادلة القوة المعتادة؛ فالبطل ماعز صغير يدخل ملعباً لا يرحم، تحكمه حيوانات أضخم وأشرس، لكنه يراهن على الإصرار والذكاء وخفة الحركة في مواجهة قوة العضلات وفق موقع The Hollywood Reporter.
ومن هذه المفارقة، تتحول الحكاية من مغامرة رياضية طريفة إلى رسالة عن كسر الصور النمطية، وحق المختلف في انتزاع مكانه داخل عالم لا يمنحه الاعتراف بسهولة بصرياً، يستفيد الفيلم من إيقاع سريع وحركة حادة تناسب أجواء الرياضة الخيالية، فيما يضيف حضور نجم كرة السلة ستيفن كاري في الإنتاج والأداء الصوتي بعداً جماهيرياً وتسويقياً، ويمنح العمل صلة واضحة بثقافة الرياضة الحديثة، حيث تختلط البطولة بالاستعراض، والطموح الفردي بروح الفريق.
مونو نوكي.. الأسطورة التي رسمت غضبها
في قالب الأنيمي الياباني، يلفت فيلم “مونو نوكي: الفيلم – لعنة الأفعى” الانتباه إلى حضور مختلف للرسوم المتحركة، يقوم على الغموض والأسطورة والهوية البصرية ذات الطابع الياباني.
وبحسب موقع “أنيميشن ماغازين” المتخصص في تغطية صناعة الرسوم المتحركة (Animation) والمؤثرات البصرية (VFX) وصناعة الترفيه البصري، يأتي الفيلم بوصفه الجزء الثالث في ثلاثية “مونو نوكي”، ويواصل حكاية بائع الدواء داخل أجواء مستمدة من حقبة إيدو التاريخية في اليابان، حيث تتقاطع الممرات المغلقة، والطقوس، والألوان الزخرفية، مع كيان أسطوري مرتبط بالغضب والانتقام، وتكمن أهمية هذا العمل في أن الأنيمي يمنح الصورة قدرة على التعبير عن القلق والخوف والذاكرة الثقافية، ويستخدم التحريك للكشف عن التوترات النفسية والأسطورية الكامنة في الحكاية، ومن خلال هذا البعد، يقدم “مونو نوكي” نموذجاً مغايراً لأفلام التحريك، أقرب إلى التأمل البصري.
قصة لعبة 5.. رهان الحنين المستمر
تتجه الأنظار إلى فيلم “قصة لعبة 5″، المقرر طرحه في الـ 19 من حزيران الجاري، وفق جدول “بوكس أوفيس موجو”، في عودة جديدة لواحدة من أشهر سلاسل بيكسار وأكثرها تأثيراً في تاريخ الرسوم المتحركة الحديثة.
وتحمل عودة “قصة لعبة” قيمة خاصة، لأنها ترتبط بشخصيات محبوبة مثل وودي وباز، وتاريخ كامل من العلاقة بين الجمهور وأفلام التحريك الرقمية، إذ تشير مجلة “تايم” الأمريكية إلى أن السلسلة أسهمت منذ انطلاقتها في تغيير نظرة العالم إلى الرسوم المتحركة، ونقلها من فضاء الحكاية الطفولية البسيطة إلى دراما إنسانية عن الصداقة، والفقد، والذاكرة، وتغير الزمن.
ويتمثل التحدي أمام “قصة لعبة 5” في قدرته على إضافة طبقة جديدة إلى عالم معروف، من دون الاكتفاء باستثمار الحنين، وهنا تبدو صناعة الرسوم المتحركة في 2026 واقفة بين اتجاهين متكاملين، العودة إلى شخصيات مألوفة تطمئن الجمهور، والبحث عن أفكار أصلية توسع حدود الخيال.
وتكشف هذه العناوين أن أفلام الرسوم المتحركة في 2026 تتحرك ضمن اتجاهين متوازيين، سلاسل شهيرة تستثمر ذاكرة الجمهور وحنينه إلى شخصيات مألوفة، وأعمال أصلية تبحث عن أفكار جديدة وهوية بصرية مختلفة، وبين هذين المسارين، تبدو الرسوم المتحركة أكثر من مجرد ترفيه بصري، إنها صناعة تستعيد ثقتها بالشاشة الكبيرة، وتؤكد قدرة التحريك على مخاطبة السوق والوجدان معاً، حين يجمع بين الحكاية الذكية، والابتكار البصري، والرسالة الإنسانية.