دمشق-سانا
نظّم المركز الثقافي العربي بالمزة، اليوم الثلاثاء، محاضرة بعنوان “المزة في عيون الزمن”، قدّمتها الباحثة ريعان سعيد، واستعرضت خلالها التحولات العمرانية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة عبر العصور، مؤكدةً أهمية صون الهوية والعادات الشعبية التي تميّز الحي عن باقي أحياء دمشق.
وأوضحت سعيد، في تصريح لـ سانا، أن المحاضرة تهدف إلى تعزيز وعي الجيل الجديد بتاريخ المزة وتراثها، من خلال عرض مقتنيات قديمة وصور أرشيفية، من بينها صورة جماعية لنساء يرتدين الملاية التقليدية التي شكّلت رمزاً للحشمة والهوية النسائية في المنطقة.
المزة… امتداد عمراني في قلب دمشق

تطرقت المحاضرة إلى الموقع الجغرافي للمزة وامتدادها الحيوي غرب العاصمة، إضافة إلى تعداد سكانها وتنوع أحيائها وطرقاتها الرئيسية التي جعلت منها أحد أهم مداخل دمشق الحديثة، كما تناولت معاني اسم “المزة” وفق آراء متعددة، منها ارتباطه بنبات الصبار الشوكي الذي كان المارة يتذوقونه ويصفونه بـ”مزة”، أي لذيذ وشهي، أو كونها رابية مرتفعة عن مستوى دمشق، فيما تعني في اللغة الآرامية الغلال والمؤونة، وهو ما ينسجم مع شهرة المنطقة بمحاصيلها الزراعية.
من قرية زراعية إلى حي حديث
قدّمت سعيد تسلسلاً تاريخياً لتطور المزة منذ العصر الإسلامي المبكر، مستندة إلى كتاب “المعزّة فيما قيل عن المزة”، للمؤرخ شمس الدين محمد بن طولون (القرن العاشر الهجري)، مشيرة إلى أن المنطقة كانت مأهولة منذ زمن بعيد، إذ سكنها الصحابي دحية الكلبي الذي توفي ودفن فيها عام 50 للهجرة، كما سكنها أسامة بن زيد، ولا يزال المسجد الذي يحمل اسمه قائماً حتى اليوم.
المزة في العهد العثماني… هوية ريفية متجذرة
بيّنت سعيد أن المزة، خلال الحقبة العثمانية (1516–1918)، كانت قرية زراعية هادئة تشتهر ببساتينها وصبارها وأشجارها المثمرة، وتمتاز بتراث ثقافي غني من أزياء الرجال التقليدية إلى الملاية النسائية التي شكّلت رمزاً للكرامة، إضافة إلى مهارات النساء في الحياكة والتطريز وتجهيز جهاز العروس.
الانتداب الفرنسي… بداية التحول العمراني
وأشارت سعيد إلى أن فترة الانتداب الفرنسي (1920–1946) شهدت أكبر تحول في تاريخ المزة، حيث أنشأ الفرنسيون فيها مطاراً رئيسياً وسجناً مركزياً ومشفى ضخماً، ما نقلها من طابعها الريفي إلى فضاء عمراني متسارع النمو.
العصر الحديث… حي دبلوماسي يحافظ على جذوره
ولفتت سعيد إلى أن المزة اليوم تُعد من أهم أحياء دمشق، وتضم عدداً كبيراً من السفارات والبعثات الدبلوماسية، إلى جانب توسع عمراني كبير غيّر ملامحها التقليدية، ورغم هذا التطور، لا تزال بعض العائلات متمسكة بتراثها ومهنها القديمة، مثل صناعة الحبال من الألياف المستخدمة في الزراعة والبناء، كما حافظت العديد من النساء على ارتداء الملاية في المناسبات التراثية، فيما بقيت المنطقة موطناً لشخصيات دينية وثقافية بارزة.
واختتمت المحاضرة بالتأكيد على أن التصميم العمراني الحديث في المزة يستلهم الكثير من التراث المحلي، ما يعكس قدرة المجتمع على الحفاظ على هويته الثقافية، رغم التحولات العمرانية المتسارعة.

