دمشق-سانا
هباب فحم وماء وصمغ عربي وقليل من العسل؛ مكونات تبدو بسيطة، لكنها صنعت حبراً بقي أثره حاضراً في مخطوطات قاومت الزمن، وحملت بين سطورها ذاكرة شعوب وحضارات امتدت قروناً.
وراء هذه الوصفة رحلة طويلة بدأت برسوم الإنسان على جدران الكهوف ثم عبرت الصخر والجلد والرقاع، قبل أن تبلغ الورق وتتحول الكتابة إلى فن حيث يشرح الشاعر والخطاط صلاح الخضر في حديثه لسانا، محطات هذه الرحلة، كاشفاً أسرار صناعة الحبر العربي وتطور الخط من أداة للتدوين إلى فن متجدد لوسيلة تحفظ المعلومات من النسيان.
من الرسم على الصخر إلى التدوين على الجلد

قال الخضر: إن الرسومات التي ظهرت على جدران الكهوف وفي الحضارات الأولى شكلت مرحلة مبكرة من تاريخ التدوين، قبل الانتقال إلى الإشارات والرموز، موضحاً أن المجتمعات بدأت لاحقاً بتوثيق تفاصيل حياتها من خلال هذه الرموز، ومنها الصيد وصيد الأسماك والزراعة والصناعات البدائية، لتتحول الكتابة تدريجياً من الرسومات إلى وسيلة لحفظ المعلومات.
وأشار إلى أن الصخر كان من المواد الأولى التي استخدمت في التدوين، قبل الانتقال إلى الجلد والرقاع، الأمر الذي دفع إلى البحث عن مواد وأصباغ قادرة على البقاء على الأسطح المختلفة، مضيفاً أن الإنسان استخدم في مراحل مبكرة التراب الممزوج بصمغ النباتات، وأحياناً دم الحيوان، قبل تطوير أصباغ ومركبات أكثر ملاءمة للكتابة.
كيف يصنع الحبر العربي؟
صناعة الحبر العربي التقليدي وفقاً لخضر عملية معقدة تستغرق أياماً، تبدأ بالحصول على هباب الفحم الناتج عن حرق الأخشاب، مشيراً إلى أهمية اختيار نوع الخشب وعدم استخدام مواد زيتية أو معدنية أثناء عملية الحرق، مبيّناً في حديثه أن هباب الفحم يُمزج بالماء، ثم يُغلى الخليط ويُصفى للتخلص من الشوائب، قبل إضافة الصمغ العربي ومواد أخرى تساعد على تثبيت الحبر وتحسين خصائصه، موضحاً أن العسل أضيف لاحقاً لمنح الحبر ليونة تسهّل عملية الكتابة، فيما استخدمت الزيوت العطرية وأحياناً الماء المقطر للمساعدة في الحفاظ عليه لفترة أطول.
حبر يقاوم الزمن
ولفت الخضر إلى أن اعتماد الحبر العربي التقليدي على عناصر طبيعية منحه قدرة على المقاومة والاستمرار، مشيراً إلى وجود لوحات مكتوبة بهذا الحبر يزيد عمرها على 800 عام، أما الأصباغ، بحسب الخضر، فكانت تستخرج من مصادر متعددة، إذ استخدمت بعض أنواع الأتربة للحصول على درجات من اللون الأحمر، فيما استُخدمت الزهور والنباتات لإنتاج ألوان أخرى، بينها الأصفر.
من التدوين إلى الفن

الخط لم يكن في بداياته فناً، وإنما أداة للتدوين، قبل أن يبدأ بالتطور مع اتساع الحضارة الإسلامية وتواصلها مع حضارات أخرى، مشيراً إلى أسماء بارزة في تاريخ الخط، بينها ابن مقلة وياقوت المستعصمي في العصر العباسي، موضحاً أن تطور الخط استمر في مراحل لاحقة، وصولاً إلى ظهور أنماط مختلفة، بينها الرقعة والديواني في العهد العثماني.
التطور مستمر
الوصول إلى مرحلة متقدمة في هذا الفن لا يعني إغلاق الباب أمام تطوره، وبحسب الشاعر والخطاط صلاح الخضر، فإن ما يُنظر إليه اليوم باعتباره نهاية مرحلة في تاريخ الخط يمكن أن يكون بداية لمرحلة جديدة في مسار بدأ بالرسم والرمز وانتهى إلى فنون متعددة من الكتابة والخط.
يُذكر أن الشاعر والخطاط صلاح الخضر أنجز أكثر من 12 مجموعة شعرية مخطوطة ومجموعتين قصصيتين، وشارك في مشاريع ثقافية، أبرزها ديوان حتى آخر كلمة بأجزائه الخمسة الذي ضم مئات الشعراء السوريين والعرب، كما ترأس لجنة إعداد موسوعة “المبدعون العرب” التي وثقت مئات الخطاطين والفنانين التشكيليين، وأسهم في موسوعات ودواوين عربية عدة، وغادر سوريا لمناصرته الثورة، متنقلاً بين دول عدة قبل أن يستقر في مدينة نزب بولاية غازي عنتاب التركية حيث واصل نشاطه الثقافي ثم عاد بعد سقوط النظام البائد للمشاركة في الفعاليات الأدبية والفنية داخل البلاد.
