دمشق-سانا
يناقش كتاب “حماة في الكتابات المسمارية” للدكتور في الدراسات السامية ركان سعيد سليمان حضور مدينة حماة في ذاكرة الحضارات القديمة، مستنداً إلى النصوص المسمارية واللقى الأثرية التي توثق تاريخ المدينة منذ آلاف السنين، بوصفها إحدى المدن السورية التي اضطلعت بدور مهم في الحياة السياسية والاقتصادية في المنطقة.
حماة في ذاكرة الألواح المسمارية
يقدم الكتاب الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب 2026 قراءة تاريخية تتتبع ذكر حماة في نصوص إبلا المكتشفة منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، حيث ارتبطت المدينة بعلاقات تجارية مع المملكة الإبلائية، قبل أن يظهر اسمها لاحقاً في الكتابات المصرية العائدة إلى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، ثم في الوثائق الآشورية خلال الألف الأول قبل الميلاد، إضافة إلى ورودها في نصوص المملكة البابلية الحديثة خلال عهد نبوخذ نصر بين عامي /٦٠٥-٥٦٢/ قبل الميلاد.
آثار حماة.. شواهد مادية على تعاقب الحضارات
ينتقل المؤلف إلى المكتشفات الأثرية التي أسهمت في إعادة رسم تاريخ المدينة، متوقفاً عند أعمال البعثة الدنماركية برئاسة /هيرالد إنغهولت/ التي أجرت بين عامي 1931-1938 مواسم تنقيب في تل حماة، كشفت عن سويات أثرية متعددة يعود أقدمها إلى الألف الخامس قبل الميلاد، فيما يمتد أحدثها إلى القرن الرابع عشر الميلادي.
وتظهر هذه المكتشفات، بما ضمته من لقى مادية ووثائق كتابية مدونة باللغات البابلية والحثية والآرامية، حجم التنوع الحضاري الذي شهدته المنطقة عبر العصور، كما يتتبع الكتاب أبرز السمات الفنية في سويات العصر الحجري والنحاسي والبرونزي والحديدي، مقدماً قراءة وتحليلاً للنصوص التي ورد فيها اسم حماة، ولا سيما نصوص إبلا التي تكشف جانباً من العلاقات الاقتصادية القديمة بين المدينتين.
النصوص القديمة توثق صعود حماة التاريخي
يتوسع المؤلف في دراسة نصوص الألف الأول قبل الميلاد، متناولاً ورود حماة في الحوليات الملكية الآشورية والبابلية الحديثة، إلى جانب النصوص الأكادية والرُقم الطينية المكتشفة في تل حماة، كما يشير إلى ذكر المدينة في النقوش غير السامية خلال النصف الثاني من الألف الثاني، والنصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، إضافة إلى حضورها في النقوش الآرامية القديمة.
ويوثق الكتاب التحولات التاريخية التي مرت بها المدينة، موضحاً كيف تطورت خلال العصر البرونزي من مستوطنة صغيرة إلى مركز مدني، قبل أن تتحول أواخر القرن الحادي عشر قبل الميلاد إلى مملكة قوية، كانت آخر الممالك الآرامية التي سقطت في النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد.
توثيق علمي لذاكرة المدينة الحضارية
في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حماية التراث السوري واستعادة الوعي بقيمة المدن التاريخية، يقدّم الكتاب مادة توثيقية تسلط الضوء على الجذور الحضارية العميقة لمدينة حماة، مستنداً إلى قراءة علمية تجمع بين النصوص المسمارية والشواهد الأثرية المكتشفة.
كما أورد المؤلف في هوامش الكتاب الرموز المستخدمة في قراءة النصوص وترجمتها، والمختصرات البحثية، وبعض الرقيمات مع ترجمتها وتعليقات توضيحية لها، معتمداً المنهجين الوصفي والمقارن، فيما تضمنت الملحقات جداول أسماء ملوك حماة، وصيغ أسماء المدينة في النصوص المسمارية، وأسماء الأعلام والأماكن، إلى جانب فهارس للكلمات السامية المشتركة، وخرائط وأشكال، ومصادر ومراجع عربية وأجنبية.
يشار إلى أن ركان سعيد سليمان حاصل على دكتوراه في الدراسات السامية من جامعة حلب عام /2022/، وهو عضو ورئيس عدة بعثات أثرية سورية عملت في مواقع أثرية متعددة في سوريا، منها قلعة مصياف، ومواقع الروضة والشير وتل الشيخ علي كاسون والمدافن المنتشرة في محافظة حماة، وله عدة أبحاث ودراسات منشورة.