دمشق-سانا
يقدّم الشاعر خالد محمد ديب القدور في ديوانه «رحلة بين عالمين»، الصادر بطبعته الأولى أواخر عام 2025 تجربةً شعريةً تتأرجح بين البوح الذاتي والانشغال بالهمّ الجمعي، في نصوص تنبض بالتوترات الوجدانية والروحية، وتستند إلى لغة كلاسيكية مشحونة بالصور والاستعارات.
منابع التكوين ورمزيات التحوّل
يفتتح الشاعر ديوانه بإهداء حميمي إلى الأب والأم والزوجة والأبناء، في إشارة واضحة إلى الجذور الأولى التي شكّلت وعيه الإنساني والعاطفي، حيث تتداخل القيم الأسرية مع الحسّ الإنساني العام، لتكون نقطة الانطلاق نحو عالمه الشعري.
وفي مقدمة بعنوان “عندما ينتحر الجوري”، يرسم الشاعر مشهداً رمزياً تتداخل فيه الطبيعة مع مفاهيم الفناء والتحوّل، حيث تتحول العناصر الكونية إلى شواهد على الرحيل، في نص كثيف يشي بانحياز واضح إلى الرمز والتكثيف الدلالي.
المديح والهمّ القومي والاغتراب
في قصيدة “طبيب القلوب”، يستعيد الشاعر تقاليد المديح النبوي، متكئاً على لغة جزلة وصور تقليدية تستحضر السيرة النبوية بوصفها ملاذاً روحياً، حيث تتحول القصيدة إلى مساحة تطهّر من الألم وتوق إلى الخلاص.
وتحضر القضايا القومية بقوة في نصوص مثل: عهد ووعد وعنترة وأبابيل، حيث يعبّر الشاعر عن قلقه من تحولات الواقع العربي، مستدعياً رموزاً تاريخية ودينية لإعادة قراءة الحاضر، في خطاب شعري يتسم بالحماسة.
وفي قصائد مثل: رجاء وفارس في زمن الخنوع، تتجلى تجربة الاغتراب بوصفها محوراً مركزياً، حيث يرصد الشاعر أثر البعد عن الوطن في النفس، وما يخلّفه من شعور بالخذلان والانكسار، مستخدماً لغة مباشرة مشبعة بالألم.
الحب والذات والبعد الروحي
لا يغيب البعد العاطفي عن الديوان، كما في “حب في قلب العاصفة”، حيث يظهر الحب بوصفه طاقة مقاومة وسط الفوضى، بلغة تميل إلى الرومانسية الكلاسيكية، وتستعيد مفردات العشق التقليدية.
وفي حديثه عن الديوان، يوضح الشاعر خالد القدور لسانا الثقافية أن “رحلة بين عالمين” ليس مجرد كتاب، بل تجربة إنسانية جامعة، ويقول: هو ليس ككتابٍ يُقرأ، بل كنافذةٍ تُفتح على سماءٍ مررنا من خلالها جميعاً، ونحن نحملُ في صدورنا وطناً يتشظّى ثم ينهض.
ويضيف: في هذا الديوان، لم أكتبِ القصيدة بل كتبتْني، كلُّ حرفٍ فيهِ ارتجفَ كيدٍ تبحثُ عن يد، وكلُّ سطرٍ سارَ حافياً فوقَ ذاكرةٍ من رماد، ستلمسون نبضَ شعبٍ لم ينحنِ، وإنْ انكسرَ ألفَ مرّة، إنها رحلةٌ بين عالمين: عالم غرقَ في العتمة حتى ظنّها قدراً، وعالم آخرَ بدأ يولدُ من رحمِ الألم، كفجرٍ عنيدٍ لا يعترفُ بالهزيمة.
وفي نصوص مثل: فارس من هذا الزمان، يبرز صوت الشاعر بوصفه ذاتاً واثقة من تجربتها، تعلن انتماءها للغة والشعر، وتؤكد قدرتها على تشكيل عالمها الخاص، في نزعة واضحة إلى الاعتداد بالذات الشعرية.
ويتجلّى البعد الروحي في قصائد مثل «عزف على أوتار الروح»، حيث يميل الشاعر إلى الزهد والتأمل، مستحضراً مفردات التصوف والبساطة، في مقابل رفض مظاهر الترف.
الشام وإدلب وخاتمة التجربة الشعرية
تحضر سوريا، ولا سيما الشام وإدلب في الديوان، بوصفها فضاءً شعرياً مركزياً، حيث تتحول إلى رمز للصمود والألم معاً، في نصوص تستحضر الواقع بلغة مشحونة بالعاطفة.
ويختتم الديوان بنصوص تؤكد أن الشاعر يراهن على الكلمة لتكون شاهداً على تجربته، ووسيلة لعبور الزمن نحو الذاكرة الإنسانية.
يذكر أن الديوان من إصدارات مؤسسة موزاييك للدراسات والنشر أواخر 2025، وهو من القطع المتوسط بعدد 119 صفحة.