دمشق-سانا
بين أروقة المكتبة الوطنية السورية بدمشق، يتنقل الأطفال بين أجنحة الكتب، يقلبون صفحات ملونة، ويتحلق بعضهم حول الحكواتي، في مشهد يعكس حيوية معرض “كتاب الطفل” الذي انطلق أول أمس تحت شعار “جيل يقرأ.. وطن ينهض”.
غير أن هذا الحضور اللافت يفتح تساؤلاً جوهرياً: هل تبقى هذه اللحظات حبيسة أجواء المعرض، أم تتحول إلى عادة قراءة راسخة في حياة الطفل؟
تجربة تفاعلية تتجاوز الكتاب التقليدي
لا يقتصر المعرض على عرض الكتب، بل يقدّم تجربة تفاعلية متكاملة، من خلال ورشات القراءة والكتابة، وعروض الحكواتي، التي تسهم في تقديم الكتاب بصورة جذابة وقريبة من عالم الطفل، ليمنح هذا التفاعل المباشر القراءة بعداً حيوياً، يعزز ارتباط الأطفال بالكتاب، بوصفه مساحة للمتعة والاكتشاف، لا مجرد مادة تعليمية جامدة.
الأثر… بين اللحظة والاستمرارية
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يبرز تحدٍ أساسي يتمثل في استمرارية هذا الأثر بعد انتهاء المعرض، وخاصة في ظل المنافسة القوية التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي على اهتمام الطفل، فالحفاظ على علاقة الطفل بالقراءة لا يرتبط فقط بالمعرض، بل بقدرة البيئة المحيطة على دعم هذه التجربة وتطويرها.
كما تلعب نوعية الكتاب الأول دوراً محورياً في تشكيل هذه العلاقة؛ إذ يمكن أن يكون بوابة دائمة إلى عالم القراءة، أو سبباً في الابتعاد عنه، ما يضع مسؤولية إضافية على دور النشر والجهات المنظمة في اختيار محتوى يجمع بين المتعة والقيمة.
الأسرة والمدرسة… الحلقة الأهم
تؤكد ملاحظات من داخل المعرض أن تفاعل الأطفال مع الأنشطة الإبداعية، كالنطق والتمثيل، يعزز ارتباطهم بالكتاب، لكن تحويل هذا التفاعل إلى سلوك دائم يتطلب استمرارية خارج أسوار المعرض، عبر دور فاعل للأسرة والمدرسة في تشجيع الطفل على القراءة ومتابعتها بشكل يومي.
وفي تصريح لـ سانا، أوضح الأستاذ عبد الحليم عبيد أن نجاح شعار المعرض يرتبط بمدى قدرته على غرس محبة القراءة في وجدان الطفل، بحيث تصبح جزءاً من حياته اليومية.
وقال عبيد: “إذا تحولت القراءة إلى عادة راسخة لدى الطفل، فإن ذلك يمثل مؤشراً حقيقياً على نجاح هذه الفعاليات”، مضيفاً إن بقاء الشعار ضمن إطار المعرض فقط يعني أن التجربة لم تحقق أهدافها، ما يستدعي عملاً مستمراً لترسيخ هذه الثقافة.
لا يقتصر أثر معرض كتاب الطفل على كونه تجربة عابرة، بل يمتلك مقومات التحول إلى نقطة انطلاق لعلاقة طويلة مع القراءة، شرط أن تتكامل أدواره مع البيئة التربوية والثقافية المحيطة.
فالمعرض ينجح في إشعال الشرارة الأولى، لكن تحويلها إلى عادة راسخة يبقى مسؤولية مشتركة، تضمن أن يخرج الطفل من هذه التجربة لا بذكرى جميلة فقط، بل برغبة حقيقية في القراءة.
وكانت وزارة الثقافة افتتحت يوم الثلاثاء الماضي معرض كتاب الطفل بعنوان “جيل يقرأ.. وطن ينهض” في المكتبة الوطنية السورية بدمشق، بمشاركة أكثر من 30 دار نشر سورية متخصصة في كتب الأطفال واليافعين، ويستمر المعرض حتى الـ 26 من الشهر الجاري، متضمناً فعاليات ثقافية وفنية متنوعة تشمل عروضاً مسرحية ومسابقات ثقافية.