دمشق-سانا
لم تكن الغربة بالنسبة للدكتورة ظلال محمد ديب الجاجي انتقالاً جغرافياً فحسب، بل تجربة مركّبة أعادت تشكيل وعيها العلمي والإنساني، ودفعتها إلى تحويل اللغة العربية من مجال تخصص إلى قضية هوية وأداة مقاومة معرفية.
الغربة والبحث… مسار يتشكل بين الذات والمعرفة
تنتمي الجاجي، المولودة في مدينة حلب، إلى حقل اللغة العربية وآدابها، متخصصة في الأدب الحديث والنقد والسيميائية السردية، وتشغل حالياً منصب محاضر في كلية الإلهيات بجامعة 9 أيلول في أزمير التركية.
مسيرتها الأكاديمية لم تتشكل في سياق واحد، بل امتدت بين سوريا واليمن وتركيا، حيث حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة صنعاء عام 2017 بتقدير امتياز، بعد مسار علمي متدرج، إلى جانب دبلوم مهني في إعداد أعضاء الهيئة التدريسية.
وخلال هذه الرحلة، تنقلت بين التدريس المدرسي والجامعي، وأسهمت في تأسيس برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها، وتطوير مناهج متخصصة، ما منح تجربتها بعداً عملياً يتجاوز الإطار النظري.
وفي حديث مع مراسل سانا تقول الجاجي: إن الغربة لم تكن تجربة عابرة، بل “احتكاك يومي مع القلق”، لكنها في المقابل منحتها قدرة على إعادة بناء ذاتها، وصياغة وعي أكثر عمقاً واتزاناً.
وترى الجاجي أن البحث العلمي لا يقتصر على إنتاج المعرفة، بل يمثل تجربة إنسانية متكاملة، يختبر فيها الباحث صبره وقدرته على التحليل والتجرد، وخاصة حين تتقاطع هذه التجربة مع تحديات الاغتراب.
وتوضح أن الكتابة بالنسبة لها مساحة للتوازن، وأداة للتعبير عن التجربة الإنسانية ضمن إطار منهجي، يجمع بين الحس النقدي والبعد الوجداني.
اللغة والهوية… من التعليم إلى الفعل الثقافي
أصدرت الجاجي عدداً من الكتب، من أبرزها: سيميائية الخطاب السردي، القوقعة، يوميات متلصص أنموذجاً (2022)، والصورة الفنية في شعر سيد قطب (2024).
كما تعمل الجاجي على إصدار كتاب جديد حول السردية الشعرية، إلى جانب مشاركات بحثية في مؤتمرات دولية ومجلات علمية محكمة.
ولا تنظر الجاجي إلى هذه الأعمال بوصفها إنجازات منفصلة، بل امتداد لأسئلة معرفية وإنسانية تحاول من خلالها فهم العلاقة بين النص والواقع، واللغة والهوية.
وفي تجربتها بتعليم العربية للناطقين بغيرها، تتجاوز الجاجي المنهج التقليدي، لتتعامل مع اللغة بوصفها تجربة حية، لا مجرد قواعد جامدة، وتسعى من خلالها إلى بناء جسور ثقافية تتيح للمتعلم التواصل مع عمقها الحضاري.
المثقف العربي بين التحديات وإعادة البناء
تضع الجاجي واقع المثقف العربي ضمن حالة توتر بين إرث حضاري غني ومتغيرات متسارعة، ما يفرض عليه إعادة تعريف دوره، معتبرةً أن المشهد الثقافي في سوريا يمثل “فعل مقاومة للبقاء”، يسعى إلى الحفاظ على الذاكرة وإعادة بناء الإنسان.
ورغم سنوات الاغتراب، بقيت سوريا حاضرة في وجدانها، مؤكدةً أن إعادة بناء الإنسان السوري تحتاج إلى جهد علمي وثقافي متكامل يقوم على الصدق والمعرفة والعمل.
كما تمتلك الجاجي خبرة واسعة في التدريس الجامعي والعمل الأكاديمي والإداري، وتحكيم الأبحاث العلمية، إلى جانب مهارات في التحرير والتدقيق اللغوي وإعداد المناهج، إضافة إلى مشاركاتها في العديد من الدورات والمؤتمرات العلمية.
اللغة والهوية في مواجهة الاغتراب
تندرج تجربة الدكتورة ظلال الجاجي ضمن سياق أوسع يعيشه المثقف السوري، حيث تتقاطع مسارات العلم مع تحديات الاغتراب، وتتحول المعرفة إلى أداة للحفاظ على الهوية وإعادة إنتاجها.
وفي هذا السياق، تبرز اللغة العربية بوصفها أكثر من وسيلة تعبير، لتغدو حاملاً للذاكرة وجسراً يربط بين الماضي والحاضر، في مواجهة التفكك والاغتراب.