دمشق-سانا
ثماني سنوات مرّت، لكن تلك الأمسية في مدينة دوما، لا تزال حاضرة في الذاكرة، وصورها عالقة في الأذهان، وجوه تبحث عن هواء، وأيدٍ تمتد بلا جدوى، وصمت ثقيل أعقب صرخات لم تكتمل.
في 7 نيسان 2018، لم يكن ما حدث مجرد مجزرة عابرة، بل لحظة انكسار إنساني دفعت الكاميرا إلى أن تصبح شاهداً، لا يكتفي بالنقل، بل يقاوم النسيان.
ومع مرور الزمن، لم تخفت هذه الصور، بل عادت في أفلام وثائقية حاولت أن تعيد ترتيب الحكاية، وأن تمنح الضحايا صوتاً، ولو متأخراً.
الكاميرا… حين تتحول إلى ذاكرة
لم يكن حضور الكاميرا في دوما مجرد توثيق لحظة، بل محاولة لفهمها، ومع اتساع المسافة الزمنية، تحوّل هذا التوثيق إلى أعمال وثائقية أعادت بناء الحدث، كلٌ من زاويته، بين التحقيق الاستقصائي، والسرد الإنساني، والتوثيق القانوني، لتبقى مجزرة دوما حاضرة على الشاشة، كما كانت في الواقع: موجعة، ومفتوحة على الأسئلة.
مجزرة الكيماوي بوابة التهجير
فيلم “التهجير السام”، الذي بثّته شبكة الجزيرة الإعلامية ضمن برنامج ما خفي أعظم عام 2019، لا يقدم المجزرة بوصفها نهاية المأساة، بل بداية لمسار آخر.

يمضي الفيلم الذي أعدّه وقدّمه الصحفي تامر المسحال، في تتبع الخيط الذي يربط بين الهجوم الكيماوي وعمليات التهجير التي أعقبته، مستنداً إلى شهادات ميدانية ووثائق وتحقيقات، ليكشف كيف تحوّل الاختناق إلى نقطة تحوّل دفعت السكان نحو الخروج القسري، في قراءة تربط بين الحدث الإنساني وتداعياته السياسية.
الشهادة تتحوّل إلى دليل
في سلسلة “العدالة المنتظرة” (الجزآن الأول والثاني)، التي أنتجها تلفزيون حلب اليوم بالتعاون مع مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا عام 2020 وأخرجتها ريتا إسحاق، بدعم من منصات إعلامية سورية مستقلة، بالتعاون مع منظمات توثيق حقوقية مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان ومنظمة أرشيف سوريا، يتغير الإيقاع، حيث تتقدّم الشهادات بوصفها أدلة، لا مجرد روايات، ويصبح صوت الناجي وثيقة، وصورة المكان جزءاً من ملف مفتوح للعدالة.
يسعى العمل إلى تثبيت تفاصيل المجزرة ضمن سياق قانوني، في محاولة لتحويل الذاكرة إلى مادة قابلة للمحاسبة.

فيلم “سوريون يبحثون عن العدالة”، الذي أُنتج عام 2019 من إخراج الصحفية دانا البوز، بالتعاون بين جهات إعلامية مستقلة ومنظمات حقوقية مثل المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM)، تتسع العدسة لتشمل الغوطة الشرقية بأكملها، دون أن تغيب دوما عن مركز المشهد، يتتبع الفيلم أثر غاز الكلور، لا فقط في لحظة استخدامه، بل في نتائجه الممتدة على حياة الناس.
تتكرر التفاصيل في الفيلم، تتشابه الشهادات، ويبدو الألم كأنه يتنقل من مكان إلى آخر، في سرد يربط بين الحالات الفردية وصورة عامة لمأساة جماعية.
تفكيك الروايات واستعادة لحظة الاختناق
يأتي فيلم “هجوم دوما الكيماوي… القصة الكاملة”، الذي أنتجه الدفاع المدني السوري – الخوذ البيضاء عام 2023، ليعيد بناء الحدث من جديد، لكن هذه المرة عبر تحليل الصور والأرشيف والفيديوهات المتداولة.

لا يكتفي العمل بسرد ما جرى، بل يدخل في مواجهة مع الروايات المختلفة، محاولاً تفكيكها وإعادة ترتيبها، في محاولة لتقديم رواية أكثر تماسكاً وسط الضجيج الإعلامي الذي أحاط بالحادثة.
أما فيلم “مجزرة دوما… ليلة الكيماوي”، الذي أُنتج عام 2018 من قبل تلفزيون سوريا، فيقترب من اللحظة نفسها دون وسيط زمني، مستنداً على شهادات ناجين وعناصر من الدفاع المدني السوري، ويستفيد من تقارير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، لكنه في جوهره يترك الصورة تتحدث، أصوات متقطعة، أنفاس مختنقة، ومحاولات إنقاذ تجري تحت ضغط الوقت، في عمل يعيد تلك الليلة كما كانت: فوضى، خوف، ومحاولة للبقاء.
من الشاشة إلى ضمير الإنسان
لم تبقَ هذه الأعمال داخل حدود العرض، بل امتدت إلى جمهور واسع، حيث أثارت نقاشات وتفاعلات، وأسهمت في نقل ما جرى إلى خارج الجغرافيا السورية، تحوّلت هذه الوثائقيات إلى وسيلة لفهم ما حدث، وإلى جسر إنساني يربط بين المشاهد والضحايا، في تجربة تتجاوز اللغة والسياسة.
ورغم أن هذه الأفلام لم تغيّر مسار الأحداث، فإنها أسهمت في تثبيت الذاكرة، وفي إبقاء القضية حيّة في الوعي العام، ولو من خلال الصورة.
ذاكرة لا تختنق
ثماني سنوات، ولا تزال مجزرة الكيماوي في دوما حاضرة، ليس فقط في تقارير أو أرقام، بل في صور لم تهدأ، وأفلام تعيد عرضها كل مرة وكأنها تحدث الآن، لقد حفظت الكاميرا بعض الحقيقة، لكنها لم تغلق الجرح.