دمشق-سانا
يقدّم كتاب “دمشق طقوس رمضانية.. من زمن الكراكوز والحكواتي إلى دراما التلقين السياسي” للكاتب والناقد محمد منصور، قراءة معمّقة في الذاكرة الرمضانية الدمشقية، مستعيداً ملامح شهر الصيام كما عاشته المدينة عبر قرون، ومتابعاً التحولات التي طرأت على طقوسه بين الماضي والحاضر.
الكتاب الصادر عن دار موزاييك للدراسات والنشر في إسطنبول، يقع في 220 صفحة من القطع المتوسط، ويجمع بين التوثيق التاريخي والتحليل الاجتماعي، مستنداً إلى أرشيف غني من الصور النادرة، وإلى تجربة شخصية عاشها المؤلف بعيداً عن مدينته خلال سنوات الثورة السورية، ما أضفى على العمل بعداً وجدانيّاً واضحاً.

ويهدي منصور عمله إلى “دمشق التي كانت قبل حكم البعث”، في إشارة صريحة إلى تمسكه بذاكرة اجتماعية وثقافية تعرّضت لتشوهات خلال العقود الماضية، ورغبته في توثيق صورة أكثر أصالة للمدينة.
طقوس دمشق بين الذاكرة والتحوّل
يتتبّع منصور في فصول الكتاب السبعة ملامح الحياة الرمضانية منذ العصور الإسلامية الأولى، مروراً بالعهد العثماني والانتداب، وصولاً إلى الزمن المعاصر.
ويقف عند تفاصيل يوميات الشهر، من العادات الدينية والاجتماعية والاقتصادية، إلى الشخصيات الشعبية التي شكّلت جزءاً من ذاكرة المدينة، مثل المسحّر والحكواتي والكراكوزاتي.
ويخصّص المؤلف فصلاً لشخصية المسحّر، بوصفها “الصوت الشبح في ليل الأحلام”، متناولاً دورها الرمزي والاجتماعي في تشكيل الوجدان الدمشقي، قبل أن ينتقل إلى فنون الترفيه الشعبي التي رافقت ليالي رمضان.
الدراما الرمضانية وتحوّلات الصورة
لا يكتفي الكتاب بتوثيق الموروث الشعبي، بل يذهب إلى تحليل حضور الدراما الإذاعية والتلفزيونية في تشكيل إيقاع الشهر، وكيف تحوّل الموسم الرمضاني إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية.
وفي فصل لافت، يتناول منصور مسلسلات البيئة الشامية، قارئاً بعض نماذجها في ضوء “التلفيق التاريخي والتلقين السياسي”، ومناقشاً الرسائل التي حملتها خلال سنوات الثورة، وكيف أُعيد توظيف صورة المدينة في سياقات أيديولوجية محددة.
بين التوثيق والتحليل
يمزج الكتاب بين منهج الباحث ودقة الصحفي، معتمداً على مصادر تاريخية وشهادات شخصية، ومقدّماً مادة غنية للباحثين والمهتمين بالتراث الاجتماعي الدمشقي.
ويطرح أسئلة حول معنى التحوّل: ماذا بقي من طقوس رمضان القديمة؟ وكيف أعادت السياسة والإعلام تشكيل صورة المدينة؟
يُذكر أن محمد منصور، المولود في دمشق عام 1970، هو ناقد وصحفي عمل في الإعلام السوري والعربي، وله مؤلفات في القصة القصيرة والدراسات السياسية والنقد الدرامي.