دمشق-سانا
تناولت محاضرة الباحث في التراث الشعبي محمد دبور أمس الإثنين، تاريخ الخط العربي، وجهود العرب بتطويره إلى فن حضاري، وتحويله من مجرد أداة كتابة إلى فن زخرفي هندسي له قواعده وأشكاله الخاصة.
الخط العربي في صدر الإسلام
وأوضح دبور في المحاضرة، أنه مع بزوغ فجر الإسلام باتت الحاجة ملحة لنشر القراءة والكتابة على أوسع نطاق، فعدد من الآيات القرآنية أكدت مكانة القلم والكتابة، مثل قوله تعالى “نون وما يسطرون”، كما أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أول من عمل على تعليم الخط بين المسلمين رجالاً ونساءً، لتوثيق الوحي وتوسع الدعوة، ما أرسى أسس النهضة الخطيّة الإسلامية التي تطورت فيما بعد لتصبح فناً رفيعاً.
تطور الخط في عصور الدولة الإسلامية
ولفت دبور إلى أن اتخاذ الكوفة مقراً للخلافة الإسلامية زمن الخليفة علي بن أبي طالب أدى للاعتناء بشكل فائق بالخط العربي، فسمي الخط باسمها، وانتشر في أقطار العالم الإسلامي، وعند انتقال الخلافة إلى العهد الأموي، كان الاهتمام كبيراً بما يتعلق بالكتابة وتجويدها.
كما اشتهر في العهد العباسي الوزير والخطاط ابن مقلة، والذي كان أول من وضع أسساً هندسية وقواعد مكتوبة للخط، كما أدت المدرسة المستنصرية ببغداد دوراً في توظيف الخط كعنصر زخرفي معماري
الخط في بلاد الشام
ولفت دبور إلى أن الخط نال قدراً كبيراً من التحسين في بلاد الشام مع النهضة الفكرية زمن السلاجقة والأيوبيين، وحين دخول هولاكو المغولي إلى بغداد، رحل كثيرٌ من الخطاطين البغداديين لدمشق ثم مصر، كما كان الخط زمن المماليك امتداداً للأيوبيين، منوهاً بجهود أشهر الخطاطين الدمشقيين الذين ظهروا أواخر حقبة العثمانيين، أمثال محمد بدوي الديراني، وممدوح الشريف.
شروط الخط الجميل عند “أبو حيان”
وتطرق دبور إلى الشروط التي أوردها الأديب والفيلسوف أبو حيان التوحيدي في رسالته الشهيرة “رسالة في علم الكتابة” للخط الجميل، والتي تتلخص بسبعة معانٍ: الخط المجرد بالتحقيق (إبانة الحروف)، والمُحلى بالتحديق (توسيع الفراغ بحروف الجيم والحاء والخاء)، والمُجمل بالتحويق (لرؤوس الحروف المدورة كالواوات والفاءات والقافات)، والمُزين بالتخريق (إبقاء فتحات الهاء والعين والغين)، والمُحسن بالتشقيق (من الاشتقاق)، والمُجاد بالتدقيق (لأذناب الحروف)، والمُميز بالتفريق (عدم مزاحمة الحروف).
أما المعاني الثلاثة الإضافية التي لم يعددها التوحيدي في بداية كلامه ولكن أضافها في شرحه فهي: التعريق (إبراز النون والياء وأشباهها)، والتنسيق (الحروف على نسق واحد)، والتوفيق (حفظ استقامة السطر).
أنواع الخطوط العربية المتداولة حالياً
وأشار الباحث دبور إلى تعدد مدارس الخط، وتنوع أشكاله حتى غدت له مزايا جمالية جذابة، فالخطوط العربية اليوم ستة أنواع وهي: الثلث أصعب الخطوط وأجملها، والرقعة الذي اعتُمد للكتابة اليومية، والنُسخ الذي كانوا ينسخون به المصاحف، والديواني الذي كانت تصدر به الفرمانات العثمانية، والفارسي أو التعليق، الذي يستخدمه غالباً المسلمون غير العرب، والكوفي الذي يعتمد القلم بالريشة والمسطرة والبيكار، والطرّة الذي كُتب على النقود، إضافة لخطوط قليلة الاستعمال كالتاج والريحاني.
وأكد دبور أن الخط العربي هو الوحيد الذي ينال منزلةً متقدمة بين الفنون الإسلامية، كما أنه تراثٌ قومي يجمع العرب بلسانٍ واحد، فوحدتهم في حروفهم الـ 28، بالتالي علا الخط برؤيته الجمالية لأسمى درجات الرقي.
يُشار إلى أن دبور باحث في التراث الشعبي والدمشقي، وله عدة أبحاث ودراسات حول ذلك.