دمشق-سانا
ضمن الفعاليات الثقافية المرافقة لمعرض دمشق الدولي للكتاب بنسخته الاستثنائية، أقامت وزارة الأوقاف مساء اليوم محاضرة بعنوان “ويبقى الأثر”، ألقاها الشيخ عبد القادر العثمان، مدير إدارة شؤون القرآن الكريم في الوزارة، بحضور جمهور متنوع من زوار المعرض.

وركزت المحاضرة، على إيقاظ الهمة في نفوس الحاضرين لصناعة أثر إيجابي في حياتهم قبل الرحيل، وأن الإنسان مدعو لأن يفكر بمشروع لعمره، وألا تمضي أيامه بلا مقصد أو معنى.
واستند العثمان إلى قوله تعالى: ﴿إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾، مبيناً أن الأثر هو ما يبقى من الإنسان بعد رحيله، وأن حياة الإنسان قصيرة، لكن حياة الأثر تمتد بما يغرسه من خير وعلم وعمل نافع.
وأشار العثمان إلى أن الحديث عن الأثر يكتسب دلالة خاصة في تظاهرة ثقافية كمعرض الكتاب، حيث ما زالت مؤلفات العلماء والمفكرين الراحلين حاضرة تؤثر في القلوب والعقول.
خطاب جامع لكل الشرائح

بيّن العثمان أن الخطاب في هذه المحاضرة موجه للجميع، ولكل من يريد أن يترك أثراً، موضحاً أن الأثر لا يقتصر على العلماء والمؤلفين، بل يشمل كل صاحب حرفة أو صنعة، فتعليم صنعة أو إعانة صانع هو من الأثر النافع والصدقة الجارية التي يستمر ثوابها.
جهاد البناء بعد التحرير
في تصريح لمراسل سانا، أكد العثمان أهمية إقامة مثل هذه اللقاءات ضمن فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب، معتبراً أنها تركز على مسار وطني ملحّ في هذه المرحلة، وهو «جهاد البناء».
وقال: “إن سوريا بعد التحرير ودحر الظلم تدخل مرحلة البناء، ما يتطلب تضافر الجهود وتكاتف الأيدي لبناء الإنسان والوطن، وبذل الإحسان في إعادة إعمار الفرح والأمل، لأن هذا هو وقت الغرس والعمل وترك الأثر النافع”.
من الألم إلى الأمل
حملت المحاضرة أبعاداً إنسانية عميقة تجلت في شهادة مريم غزال، إحدى المعتقلات السابقات لدى النظام البائد، والتي كانت ضمن فريق المتطوعين المنظمين للفعالية.

وتحدثت غزال عن معاناتها القاسية في السجون، وما تركته من آثار نفسية وجسدية، مؤكدةً أن تلك التجربة لم تكسرها، بل زادتها إيماناً وأملاً بمستقبل أفضل لسوريا، معبرةً عن تفاؤلها بولادة جديدة للبلاد بعد زوال الظلم.
تفاعل وجداني من الحضور
عبرت غزال عن تأثرها العميق بالمحاضرة، مؤكدةً أن ما سمعته شحن قلبها قبل عقلها، ورسخ قناعتها بأن كل جهد خير يزرعه الإنسان لن يضيع، وإن لم يثمر في الدنيا فهو محفوظ عند الله.
وأشارت إلى أن سوريا اليوم بحاجة إلى هذا الوعي القائم على العمل والأثر، وإلى تكاتف أبنائها لبناء مستقبل يليق بالأجيال القادمة.
ووصف معاذ البويضاني، أحد الحضور، المحاضرة بأنها جميلة ومناسبة، تحفز على العمل وترشد إلى أولويات الحياة، لافتاً إلى أهميتها في سياق معرض الكتاب، كونها تفتح آفاقاً فكرية وتساعد على توجيه القراء لاختيار ما ينفعهم.
الثقافة والقيم .. مسار واحد
جاءت محاضرة “ويبقى الأثر” لتؤكد تكامل البعد الثقافي والقيمي في معرض دمشق الدولي للكتاب، ولتقدم نموذجاً عن دور الثقافة في مداواة الذاكرة السورية المثقلة بالجراح، واستنهاض الهمم نحو العمل والبناء، في مرحلة يتطلع فيها السوريون إلى مستقبل يقوم على الأمل، والمسؤولية، وترك الأثر الإنساني العميق.