دمشق-سانا
للوهلة الأولى تظنها مشغولات ذهبية، وما إن تمعن النظر حتى تتيقن أن هذه التشكيلات والإبداع الحرفي، صُنع بأنامل من ذهب، وأنك أمام حكاية تراث عريق وحرفة متقنة، تجسدها النحاسيات الدمشقية بقطع لا تقاس بقيمتها المادية، بل بما تحمله من روح الماضي ودقة التفاصيل.
خبرة متوارثة عبر الزمن

في ورشة تعلو فيها أصوات المطارق بإيقاع متجانس، يقف شيخ الكار في الفنون النحاسية والتراثية عدنان تنبكجي محاطاً بأدواته، حاملاً إرثاً امتد لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً من العمل المتواصل، خلال هذه السنوات، لم يكن النحاس مجرد مادة خام، بل مساحة للتعبير الفني، صاغها بروح الفنان ودقة الحرفي.
يبين تنبكجي أن أعماله تنوعت بين الفنون المحفورة وصناعة الأباريق، وصولاً إلى الأيقونات ذات الدلالات الوطنية، والزخارف النباتية والإسلامية، في مشهد بصري يعكس عمق التاريخ الحرفي السوري وغناه.
وأكد تنبكجي في حديثه لـ سانا أن الحرفة النحاسية لا تقوم على جهد فردي معزول، بل على مسؤولية جماعية لحمايتها من الاندثار، ولا سيما في ظل التراجع الذي فرضته هجرة أعداد كبيرة من الحرفيين، ويرى أن التعليم والتدريب يشكلان الخيار الأهم للحفاظ على هذا الإرث.
تحديات تفرضها المرحلة

رغم أن المشغولات النحاسية السورية وجدت طريقها إلى أسواق عديدة حول العالم، لفت تنبكجي، وهو يتفقد إحدى القطع التي استغرقت ستة أشهر لإنجازها، إلى أن واقع الحرفة اليوم يفرض تحديات حقيقية، تتطلب دعماً مؤسسياً مستداماً، داعياً إلى ربط تعليم الحرف بالمناهج التربوية، بما يضمن تخريج أجيال قادرة على حمل هذا الإرث ومتابعة مسيرته.
ولا تقتصر أهمية الحرفة النحاسية على بعدها التراثي فحسب، إذ توضح الحرفية ميرنا عمار، أنها تشكل مورداً معيشياً مستقراً للعديد من الأسر، دون ارتباط بعمر أو فئة اجتماعية محددة، مشيرةً إلى المشاركة النسائية اللافتة في الدورات التدريبية، حيث ضمت إحدى الدورات خمسين متدرباً، منهم ثمان وأربعون سيدة، في تحول واضح عن الصورة النمطية، ولا سيما في مجالات الطرق على النحاس وتشكيله التي تعتمد على المهارة الذهنية والتقنية أكثر من الجهد العضلي.
إبداع يولد من إعادة التدوير
من بين أكوام القطع النحاسية القديمة، يبرز الإبداع الحرفي السوري في القدرة على إعادة تدوير النحاس وصهر القطع غير المستخدمة وسكبها مجدداً ضمن قوالب خاصة بالزخارف الهندسية والنباتية، حسب الحرفية ميرنا، موضحةً أن حرارة الصهر تصل إلى نحو 1300 درجة مئوية، مع إمكانية إعادة التدوير مرات عديدة دون فقدان الجودة، ليخرج المنتج النهائي بمستوى فني قادر على المنافسة عالمياً رغم محدودية الخامات.
تفاصيل دقيقة تصنع الجمال

تبدأ رحلة التشكيل داخل ورشة النحاسيات، وفق الحرفي محمد الرحبي، بصناعة نموذج أولي من الخشب أو الصلصال أو الحجر، يعقبه إعداد القالب الخاص بسكب النحاس، وبعد ذلك، تمر القطعة بمراحل دقيقة من الجلخ والتنظيف والصقل، قبل تلبيسها بمحاليل ذهبية أو فضية أو برونزية، وصولاً إلى المنتج النهائي الذي يجمع بين الحرفة والفن.
“المعدن الحنون”
يصف الرحبي، النحاس بـ”المعدن الحنون”، لما يتمتع به من مرونة وقدرة على الاحتفاظ بجودته لعشرات السنين، مشيراً إلى اعتماد مواد حماية مثل “اللكر” للحد من تفاعله مع الأكسجين، ما يضمن ثبات القطعة على المدى الطويل لمدة تصل إلى عشرين عاماً، في تأكيد على جودة الصناعة واستدامتها.
حضور محلي وعالمي مستمر

يُجمع الحرفيان تنبكجي والرحبي على أن الحرف النحاسية السورية ما زالت قادرة على الوصول إلى الأسواق المحلية والخارجية، بوصفها منتجاً يحمل قيمة فنية وثقافية واقتصادية، ويجسد حرفة استطاعت رغم التحديات أن تحافظ على حضورها، وتنافس في المشهد الإبداعي العالمي.
وتعود الجذور التاريخية لحرفة النحاسيات إلى الألف الثانية قبل الميلاد، وفق الكتب الوثائقية المتعلقة بسوريا، حيث اعتمد سكان بلاد الشام على النحاس في أوانيهم وأدواتهم اليومية، ويعتبر سوق النحاسين في دمشق القديمة المركز التاريخي الأبرز، بالإضافة إلى خان شونة في حلب.