دمشق-سانا
شكّلت المحاضرة التراثية التي ألقاها الباحث في التراثين الإسلامي والعربي محمد صالح المعراوي بالمركز الثقافي العربي في المزة، توثيقاً تاريخياً بصرياً لـ 44 مئذنة دمشقية وأسمائها، تحكي مجتمعةً تاريخ هذه المدينة العريقة، وتطورها المعماري حتى عام 1941.

المحاضرة، التي حملت عنوان مآذن دمشقية، أخذت الحضور في رحلة عبر العصور التي مرّت على المدينة، مستندة إلى إرث المؤرخين قتيبة الشهابي وعماد الأرمشي.
وأوضح المعراوي خلال المحاضرة التي أقيمت أمس، أن أصل المآذن في دمشق يعود إلى العصر الأموي، غير أن شكلها الحالي ليس أموياً خالصاً، نتيجة ما تعرّضت له من ترميمات متعاقبة بعد كوارث وزلازل، وأشار إلى أن العمارة الإسلامية في دمشق تعود في مجملها إلى عصور الأمويين، ثم الأيوبيين والزنكيين والمماليك، وصولاً إلى العثمانيين، فيما لم تترك المراحل الأخرى أثراً بارزاً في عمارة المساجد.
مآذن الجامع الأموي

تبدأ الحكاية، وفق المعراوي، من المآذن الثلاث للجامع الأموي، الذي بناه الخليفة الوليد بن عبد الملك، بوصفها من أروع نماذج العمارة الإسلامية، وتُعد مئذنة العروس أقدمها، وتقع في الجدار الشمالي للجامع، وتتميز بقاعدتها المربعة المصممة على النمط الأموي، وقد خضعت لترميمات متعددة في العهدين الأموي والمملوكي، ولا تزال نوافذها المزدوجة واضحة المعالم، إلى جانب المِزولة (الساعة الشمسية) التي رُممت لاحقاً.

أما مئذنة عيسى، المشيدة فوق برج روماني، فتتألف من كتلتين غير مرتبطتين، بقاعدة مربعة أموية ثم أيوبية، تعلوها كتلة عثمانية رشيقة كثيرة الأضلاع، تنتهي بقلنسوة مخروطية، وقد تعرضت بدورها لأضرار وترميمات في عصور مختلفة.
وفي المقابل، كانت مئذنة قايتباي أموية في أصلها، قبل أن يجددها بالكامل السلطان المملوكي الأشرف قايتباي، لتغدو نموذجاً كاملاً للطراز المملوكي، بجذعها المثمن، ومحاريبها ونوافذها المسمطة، وحشواتها ومقرنصاتها ونقوشها الأثرية.
مآذن العهد النوري
في حديثه عن جوامع العهد النوري، التي تعود إلى عصر السلطان نور الدين زنكي، أشار المعراوي إلى مئذنة باب شرقي، المشيدة على هيئة منارة، وكانت تتبع شرقاً لمسجد الجنائز الذي اندثر، وتتميز بقاعدتها المربعة على النمط الأموي وبساطتها، فيما خضعت ذروتها لترميم أقرب إلى الطراز العثماني.

كما تحدث عن مئذنة جامع حسان على طريق الميدان القديم، ذات الجذع المربع، والتي يعود جزؤها العلوي إلى ترميم عثماني بعد تعرضها للهدم والبناء أكثر من مرة، إضافة إلى المئذنة البسيطة للمدرسة النورية الكبرى التي تأسست عام 563 هجري.
مآذن العهد الأيوبي
تناول المعراوي المآذن الأيوبية التي اتسمت بالشكل المربع والتقشف، ومن أبرزها مئذنة المدرسة الأتابكية في حي الصالحية، التي بنتها السيدة تركان خاتون زوجة الملك الأشرف الأيوبي، بجذع مربع تعلوه مئذنة، ثم جوسق فوق الشرفة وخوذة.
كما لا تزال مئذنة جامع الجديد المثمنة شاهداً على تلك المرحلة، إذ بُني الجامع على أنقاض تربة، وتتميز شرفته المثمنة بنوافذ مسمطمة لا تُفتح.
وتطرق أيضاً إلى مئذنة جامع الحنابلة، التي تجمع بين بساطة الجزء الأيوبي وشرفة مربعة يعلوها جوسق خماسي الطبقات غريب الشكل، لافتاً إلى فرادة مئذنة المدرسة المرشدية التي لا شبيه لها في دمشق.
كما أشار إلى مئذنة جامع التوبة المثمنة، الذي بُني على أنقاض خان للمعازف في عهد الملك موسى الأيوبي عام 632 للهجرة، قبل أن يُجدد كلياً في العصر المملوكي.

وذكر أن جامع الجرّاح قد يكون من أقدم الجوامع بعد الأموي، إذ جُدد في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي، لتصبح مئذنته مربعة، بينما تنتمي الشرفة والجوسق إلى الطراز المملوكي، أما مئذنة المدرسة الشامية البرانية في سوق ساروجة، فتنتمي إلى النمط الأيوبي مع قلنسوة أقرب إلى المملوكي.
مآذن العهد المملوكي
في استعراضه للمآذن المملوكية، وصف المعراوي هذه المرحلة بأنها الأغنى زخرفةً ومقرنصات في دمشق، وتحدث عن مئذنة جامع قلعي المتأثرة بالطراز الأيوبي، والتي تشبه قلنسوتها مئذنة جامع ابن هشام المجاور، مع تميزها بشريطين كتابيين، معتبراً أن مئذنة جامع تنكز تمثل أجمل نماذج العمارة المملوكية.
كما عرض لقطة نادرة حديثة لمئذنة جامع الحيوطية خلف مشفى المجتهد، وتناول مئذنة جامع الأقصاب في شارع الملك فيصل، المتأثرة بالأيوبية، والتي تشبه مئذنة جامع التيروزي في حي قبر عاتكة، المنفصلة عن جامعها، ومئذنة الجامع المعلّق فوق نهر بردى، التي رُممت في العهد العثماني بشكل غير موفق بعد إصابتها بصاعقة، مقابل التصميم المتقن لمئذنة دار القرآن الكريم (الصابونية)، الغنية بالزخارف والأشرطة التزيينية والكتابية.
كما تتميز مئذنة الشحم بجذعها المربع وانفصالها عن جامعها (الحبوبي حالياً)، وتعد مئذنة المدرسة السيبائية آية في الجمال وفق المعراوي.
مآذن العهد العثماني
في العهد العثماني، أوضح المعراوي أن المآذن اتسمت عموماً بالنحالة والارتفاع الشاهق، والقلنسوة المخروطية، والجذع كثير الأضلاع، كما في مئذنتي التكية السليمانية المتشابهتين، والمئذنة الفريدة لجامع السنانية.

ولفت إلى أن مئذنة جامع الشيخ محي الدين شُيدت بالطراز المملوكي، وهو ما تأثرت به أيضاً مئذنة جامع مراد باشا النقشبندي، فيما تتميز مئذنة جامع درويش باشا بكثرة الأضلاع، إلى جانب مئذنة الياغوشية، ومئذنتي القاري (السفرجلاني) وزاوية الشيخ فرج ذات التأثير الشامي المملوكي الأرقش.
وتحدث المعراوي عن مئذنة جامع التعديل، التي تتميز بطولها الشاهق ورشاقتها، إضافة إلى مآذن الباشورة وعلي البريدي والسلحدار والقرزمي، ومئذنة باب الكنيسة المعروفة باليتيمة بعد اندثار جامعها، فضلاً عن مئذنة الحجار التي لم تعد قائمة، كما تناول المآذن المعاصرة التي شُيدت بطراز شامي متأثر بالعهد العثماني حتى عام 1941، ومنها مآذن الشعلان والشهواني والتكية المولوية.
صون المآذن
في ختام المحاضرة، عبّر الحضور عن أملهم في توسيع هذا البحث ليشمل سائر المآذن الدمشقية، تأكيداً على أهمية صونها من أي عبث.
وفي تصريحات لمراسلة سانا، نوّه الفنان التشكيلي علاء الغبرا بدقة الوصف الفني للمآذن خلال المحاضرة، فيما أشار المهتم بالتوثيق سامر ماميش إلى دور هذه الفعاليات في حفظ الذاكرة والتأريخ للأجيال القادمة.
يُذكر أن محمد صالح المعراوي مهندس طبي وباحث في التراث الدمشقي، مع تركيز خاص على المساجد والمآذن.




