دمشق-سانا
تختزن المحافظات السورية، عبر تاريخها الممتد، موروثاً ثقافياً غنياً يعكس تنوع البيئات الاجتماعية والجغرافية، ويجسد أسلوب حياة الناس وعاداتهم اليومية، حيث لا يقتصر التراث على الآثار والمعالم فحسب، بل يتجلى أيضاً في تفاصيل الحياة البسيطة، وعلى رأسها المطبخ الشعبي بما يحمله من نكهات وقصص وذكريات متوارثة عبر الأجيال.
وفي محافظة الرقة، يشكل التراث الغذائي أحد أبرز عناصر الهوية المحلية، إذ لا تزال العديد من الأكلات الشعبية القديمة حاضرة في الذاكرة الجماعية للأهالي، وتحافظ على مكانتها في المناسبات الاجتماعية والطقوس العائلية، ومن بين هذه الأكلات تبرز “السياييل” كأحد الرموز التراثية التي تختصر تاريخ المدينة وعلاقتها بالأرض والناس، وتعكس خصوصية الموروث الثقافي لأهالي الرقة.
أصل أكلة السياييل وتاريخها
للحديث عن أصل السياييل، أوضح عضو أصدقاء المتحف الوطني في الرقة عبد الرزاق العبيو خلال حديثه لمراسلة سانا، أن أكلة السياييل تُعد من أقدم الأكلات التراثية التي عرفتها الرقة، إذ تعود جذورها إلى مرحلة بدايات الاستقرار الحديث في المحافظة خلال ستينيات القرن التاسع عشر، حيث نشأت في البيئة المحلية وارتبطت بأنماط العيش والعلاقات الاجتماعية آنذاك، قبل أن تنتقل من جيل إلى آخر وتحافظ على حضورها في المطبخ الرقاوي حتى يومنا هذا.
وأكد العبيو أن هذه الأكلة تمثل موروثاً شعبياً خاصاً بأهالي الرقة، ولا تزال تحتفظ بمكانتها المميزة بين الأطعمة التقليدية، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من الهوية الغذائية والاجتماعية للمحافظة، إذ ترتبط بالمناسبات العائلية والاجتماعية وتعكس روح التكاتف والبساطة التي طبعت حياة أبناء المنطقة عبر عقود طويلة.
طريقة التحضير
عن مكونات ومراحل العمل، بيّن العبيو أن طبق السياييل يصنع من عجين رقيق يُخبز على الصاج، ويُضاف إليه السمن العربي والقطر، فيما تستخدم بعض المناطق السكر أو الحليب بدلاً من القطر حسب العادات المحلية، ويضيف الأهالي المكسرات مثل الجوز أو الفستق الحلبي حسب الرغبة، لتكتمل نكهة الطبق التقليدية.
طقوس التحضير
تتولى النساء الدور الأساسي في إعداد أكلة السياييل، حيث يشكل عملهن المشترك في تحضيرها تقليداً تراثياً يعكس روح التعاون والألفة في المجتمع الرقاوي، وفي هذا الصدد تقول أم طلال، وهي سيدة ستينية من ريف الرقة: إن تحضير السياييل لا يقتصر على كونه عملاً منزلياً، بل يشكل طقساً اجتماعياً متكاملاً، حيث تجتمع النسوة في ساعات الصباح الباكر حول الصاج المشتعل، ويبدأن بخلط الطحين بالماء وعجنه بأيدٍ اعتادت هذا التقليد منذ سنوات طويلة، في أجواء تسودها الألفة وتعلوها الأحاديث والضحكات، لتتحول عملية التحضير إلى مساحة للتواصل وتقوية الروابط بين النساء.
وأضافت: إن هذا الطبق يُحضَّر في المناسبات الاجتماعية المختلفة مثل الأعياد وحفلات الزفاف، ويُقدَّم حصراً في المنازل باعتباره جزءاً من الضيافة التقليدية، ولا يُباع في الأسواق، موضحةً أنه يُقدَّم عادة إلى جانب أطعمة مالحة مثل “الجيكة” (الكبة النيئة)، بهدف موازنة دسامة السمن العربي وحلاوة القطر في السياييل، ما يمنح الضيوف تجربة مذاق متكاملة تجمع بين الحلو والمالح.
رمز الألفة والتقاليد
ويبقى طبق السياييل رمزاً حيّاً لتراث الرقة العريق، ليس فقط كوجبة تقليدية، بل كحامل لذكريات وألفة الأهالي وروابطهم الاجتماعية، مؤكداً أن الحفاظ على مثل هذه الأكلات الشعبية لا يعكس قيمة الموروث الغذائي فحسب، بل يعزز أيضاً الهوية الثقافية والاجتماعية للمحافظة، ويضمن استمرار تاريخها الحيّ في ذاكرة الأجيال القادمة.