السبت 29 أغسطس 2026 — دمشق
|

علبي أمام مجلس الأمن: سوريا الجديدة تطوي حقبة التوتر وتفتح مرحلة الشراكة والانفتاح

نيويورك-سانا

أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي أن الأمين العام والوفد الأممي لمسوا خلال وجودهم في دمشق كيف تحتضن سوريا الجديدة المجتمع المدني الذي كان له دور بارز خلال سنوات الحرب وما زال، وأن صوته بات مسموعاً بوضوح داخل البلاد وفي مجلس الأمن على حدّ سواء.

وقال علبي خلال جلسة مجلس الأمن لبحث التطورات في سوريا اليوم الخميس: إن “زيارة الأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى دمشق أنهت حقبة التوتر بين الأمم المتحدة وسوريا، وتوجت ما بدأ بعد التحرير من مرحلة جديدة عنوانها الشراكة”.

حقبة جديدة عنوانها العودة والوضوح

وأوضح أن الأمين العام شاهد قصة النجاح التي يصنعها السوريون والسوريات بعد سنوات طويلة من الكفاح والتضحيات، واطلع مباشرة من الميدان على ما أنجزته سوريا في مواجهة التحديات، والتقى بقوات الأندوف واجتمع بأهالي الجنوب السوري الذين يعانون خطف قوات الاحتلال الإسرائيلي لأبنائهم وبناتهم وتغييبهم قسراً.

وأشار مندوب سوريا الدائم إلى أن زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى دمشق أنهت حقبة اللجوء والنزوح وبدأت مرحلة جديدة عنوانها العودة، مضيفاً أن برهم صالح رأى بنفسه ما وصفه بالمنعطف التاريخي الذي تقف عنده البلاد، ودعا إلى اغتنام الفرصة التي صنعتها عودة أكثر من ثلاثة ملايين سوري عبر استثمار المجتمع الدولي في التعافي والخدمات وسبل العيش، مؤكداً أن تعزيز هذه العودة وجعلها مستدامة يتطلب مواصلة دعم تعافي سوريا واستقرارها.

وبين أن زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي إلى دمشق أنهت حقبة الغموض وبدأت حقبة جديدة عنوانها الوضوح، حيث شكلت زيارة السيد غروسي أهم تقدم في تاريخ التعاون مع الوكالة لمعالجة المسائل الموروثة عن النظام البائد، ولفتح مرحلة جديدة من التعاون الأوسع، بما في ذلك في مجال الاستخدامات السلمية للعلوم والتكنولوجيا النووية دعماً لأولويات التنمية الوطنية.

سوريا تعود إلى المجتمع الدولي

ولفت علبي إلى أن سوريا الجديدة تستمر أيضاً في عودتها إلى المجتمع الدولي، فبعد 47 عاماً أزيل اسم سوريا من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، مقدماً الشكر الجزيل للرئيس دونالد ترامب على رؤيته، لما حققته سوريا وما يمكن أن تحققه دون أصفاد.

وأضاف أنه مع الاتحاد الروسي تم التوصل إلى تفاهم يؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات التاريخية بين البلدين والشعبين على أساس المصالح المشتركة، وأن سوريا تحتفل في هذه الأيام بالذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية مع الصين وسط تطور مستمر في العلاقات بين البلدين.

كما أعادت زيارة وزير الخارجية السوري إلى باكستان، الأولى من نوعها منذ سنوات طويلة، الزخم إلى العلاقات بين البلدين وفتحت آفاقاً جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي والتجاري، معتبراً أن “هذه الزيارة أنهت حقبة العزلة وبدأت مرحلة جديدة عنوانها الانفتاح”.

العدالة الانتقالية ومحاسبة رموز النظام البائد

وفيما يخص ملف العدالة الانتقالية قال علبي: في الأمس كانت دموع أمهاتنا أمام جلادي النظام البائد دموع القهر والعجز وطلب الرحمة، أما اليوم فدموع أمهاتنا أمام جلادي النظام البائد وهم قابعون هذه المرة خلف القضبان، هي دموع الفرح والانتصار والعزة.

وأكد أن القضاء أصدر أحكامه بحق بشار وماهر الأسد وعاطف نجيب وعدد من رموز النظام البائد، جراء ما اقترفوه من انتهاكات وجرائم بحق السوريين والسوريات، وذلك في محاكمات عادلة ونزيهة وبحضور ذوي الضحايا والصحفيين وممثلي المجتمع المدني والمنظمات الدولية داخل تلك المحاكم.

وأشار إلى أن السلطات القضائية اللبنانية قامت، في هذا السياق، بتسليم أحد الضباط السابقين المطلوبين للقضاء السوري على خلفية اتهامات بالقتل العمد والتعذيب، وجدد من مجلس الأمن الدعوة إلى جميع الدول للتعاون مع سوريا في ملاحقة المطلوبين ودعم مسار العدالة الانتقالية، لأن تسليمهم يحمي الدول الأخرى أيضاً من مغبة إجرامهم.

دمج قسد وأسس سوريا الجديدة

وبخصوص ملف قسد، أكد علبي أن ما كان ملفاً معقداً قبل أشهر، على الأرض وفي هذا المجلس أيضاً، بات اليوم واقعاً ومتحققاً، إذ استُكملت عمليات دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن ألوية الجيش السوري وأُعلن رسمياً عن حلّها، في عملية اندماج وطنية حقيقية تقوم على تكافؤ الأشخاص لا على المحاصصات الطائفية تحت غطاء الشمولية.

ولفت إلى أنه في سوريا الجديدة الحقوق والحريات لجميع المكونات ليست موضع مساومة أو خلاف، ويُعالج الاختلاف بالحوار أولاً، فالحكمة خيار وطني والمصلحة الوطنية العليا هي البوصلة، وعندما تسود لغة العقلانية وفهم السياق والمتغيرات، ويعلو الحس الوطني فوق الانتماءات الضيقة، ويؤدي الإقليم والعالم دوراً مسؤولاً وبناءً، لا يكون في سوريا غالب أو مغلوب، بل تكون سوريا هي الرابحة ويكون السوريون جميعاً رابحين.

مؤشرات عودة الحياة في سوريا

وشدد مندوب سوريا على أنه في الوقت الذي تتقدم فيه مسارات السياسة والعدالة الانتقالية يتحرك الاقتصاد أيضاً، حيث عادت الرحلات الجوية المباشرة بين سوريا وألمانيا مثلاً، وقريباً إلى وجهات أوروبية أخرى بعد سنوات طويلة من الانقطاع، وتتوسع حركة الطيران من المطارات السورية وإليها، وتستقبل الوفود الاقتصادية ومجالس رجال الأعمال، وأطلق مصرف سوريا المركزي خطوات جديدة في الدفع الإلكتروني لتحديث القطاع المالي وتسهيل المعاملات وتشجيع الاستثمار.

وبيّن أن هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أطلقت استراتيجيتها الوطنية تمهيداً لخروج سوريا من قائمة الدول الخاضعة للمتابعة المعززة المعروفة بالقائمة الرمادية، بالتعاون مع مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وأوضح أن النصب الأثري للقديس سمعان العمودي أعيد إلى موقعه الأصلي في مدينة حلب بعد تعرضه لأضرار خلال السنوات السابقة، وبالأمس جرى افتتاح النسخة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي، فيما أوقدت الشعلة في معمل غاز الطابية في دير الزور بعد تأهيله بكوادر وطنية.

وقال علبي: إن بعض الزملاء قد يسأل ويرى بعضهم أن في ذلك تفاصيل اقتصادية صغيرة في قاعة اعتادت مناقشة الحروب والأزمات، لكن بالنسبة للسوريين والسوريات فإن عودة رحلة جوية مباشرة أو فتح حساب مصرفي أو تحويل مبلغ إلكترونياً أو تأسيس شركة أو الحصول على فرصة عمل ليست تفاصيل صغيرة، بل مؤشرات على عودة الحياة ذاتها واستتباب السلم والأمن.

إسرائيل تعمل في الاتجاه المعاكس

وفيما يتعلق بالانتهاكات الإسرائيلية، أكد مندوب سوريا أنه في الوقت الذي تستمر فيه سوريا بضبط حدودها ومحاربة الإرهاب وتفكيك شبكات المخدرات وإغلاق الملفات الموروثة عن النظام البائد كالنووي والكيماوي، وفي الوقت الذي يشيد فيه أعضاء المجلس بما تحققه سوريا من إنجازات، تواصل إسرائيل العمل في الاتجاه المعاكس تماماً.

وأوضح أن إسرائيل شنت ثماني غارات على مطار أبو الضهور، وتواصل توغلاتها داخل الأراضي السورية، وتستمر في أعمال العدوان من خطف وقصف وانتهاكات لا تتوقف، ناهيك عن الاستعراض غير المسؤول لـ”كاتس” على قمة جبل الشيخ في تحد صفيق للإرادة الدولية ولقرارات هذا المجلس.

وأضاف أن ذلك يجري في الوقت الذي تمارس فيه سوريا، بشهادتهم اليوم، أعلى درجات ضبط النفس لتجنيب المنطقة ليس فقط سوريا المزيد من الويلات، وتنخرط بجدية ومسؤولية في المسارات الدبلوماسية الأمريكية المشكورة التي تسعى إلى تثبيت الأمن وخفض التصعيد.

وتابع: تخيلوا أن المنطقة كلها على أبواب حرب إقليمية لا تبقي ولا تذر بسبب حسابات انتخابية ضيقة لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، تخيلوا أن كل الجهود الدولية والإقليمية المبذولة منذ أشهر لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة تقف في مهب الريح بسبب أوهام لا وجود لها إلا في مخيلة حكومة متطرفة متخبطة، مضيفاً: “الزملاء ليس عليكم أن تتخيلوا فهذا هو الواقع مع الأسف”.

وأكد علبي أن هذه الاعتداءات لن تغير مسار السوريين وخيارهم في الاستقرار.

والاستقرار الذي إن أرادته إسرائيل فطريقه يمر من خلال وقف الاعتداءات الإسرائيلية وإنهاء التوغلات والالتزام الكامل باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، والانسحاب من الأراضي التي توغلت فيها بعد الثامن من كانون الأول.

وفيما يتعلق بالجولان السوري المحتل، قال علبي: إن المجلس حسم هذه الحقيقة منذ عقود طويلة، مقتبساً من قراراته القرار 497 الذي يقول: إن قرار إسرائيل بفرض قوانينها وسلطتها وإدارتها في الجولان السوري المحتل لاغٍ وباطل ولا أثر قانونياً ودولياً له.

وأضاف: نعم الجولان ليس أرضاً متنازعاً عليها بل هو أرض سورية محتلة وستعود إلى أهلها السوريين طال الزمان أم قصر، وهذا ما أكدته الجمعية العامة أيضاً بقرارها هذا العام حيث ارتفع عدد الدول المصوتة لصالحه من 97 دولة إلى 123.

دمشق بين السيف والحرير

وختم علبي بأن تحرير دمشق يعني أن دمشق والتاريخ توءمان لا يفترقان، فدمشق مهد الأديان والحضارات التي تعاقبت عليها الإمبراطوريات، درة الشرق التي لطالما تجاوزت الصعاب وهزمت المحن والأهوال، وها هي دمشق تنهض اليوم من جديد حاملة إرث آلاف السنين وتتطلع بثقة نحو المستقبل.
ونقل قول رئيس الجمهورية: ها هي دمشق تمسك بيدها سيفها الدمشقي الحاد وبيدها الأخرى حريرها وأقمشتها الناعمة، وبين الحدة واللين تمضي الدبلوماسية السورية وتعطي كل ذي حق حقه وتفتح أبوابها لكل من يأتيها شريكاً داعماً لاستقرار سوريا وتعافيها، فأهلاً وسهلاً بكل من قصد دمشق ضيفاً وشريكاً لا غازياً ولا معتدياً.

تأكيد دولي على دعم سوريا وسيادتها

من جهتهم، جدد مندوبو الدول الأعضاء في مجلس الأمن التأكيد على دعم سيادة سوريا واستقلالها ووحدة أراضيها، ومساندة جهودها في تحقيق الاستقرار والتعافي وإعادة بناء مؤسسات الدولة، مشددين على أهمية مواصلة الدعم الدولي للعملية الانتقالية وتعزيز فرص التعافي وإعادة الإعمار.

بدوره، أكد نائب المبعوث الخاص كلاوديو كوردوني أن وتيرة التعافي تتسارع وأن الحكومة تقوم بخطوات جيدة نحو تعزيز الاستقرار والتنمية، ومن المتوقع تحقيق نمو اقتصادي بمعدلات أسرع في عام 2026، مرحّباً بقرار الولايات المتحدة إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب.

وأشار إلى توجه المرحلة الانتقالية نحو تعزيز مؤسسات الدولة وتمثيل جميع السوريين فيها، وإلى أحكام المحكمة بحق مسؤولين سابقين بينهم بشار الأسد غيابياً، وإلى أن التوغلات الإسرائيلية واحتجاز مواطنين سوريين يشكلان انتهاكاً لسيادة سوريا ووحدة أراضيها ولاتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

من جانبها، أكدت القائمة بأعمال الأمين العام المساعد لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إندريكا راتواتي، وجود مؤشرات مشجعة منها عودة السوريين إلى ديارهم وتحسن الإنتاج الزراعي وقطاعي الطاقة والنقل وتزايد النشاط التجاري وتحسن وصول المساعدات، داعية المجتمع الدولي إلى دعم تطلعات الشعب السوري والاستثمار لتحقيق الانتقال من الاعتماد على المساعدات إلى إعادة الإعمار والتنمية.

وأكدت مندوبة الولايات المتحدة أن واشنطن لم تعد تصنف سوريا دولة راعية للإرهاب اعتباراً من 24 آب الجاري، معتبرة ذلك عتبة تاريخية تعترف بما أحرزته السلطات السورية من تقدم، وأن رفع هذه القيود من شأنه أن يطلق العنان لفرص التجارة والاستثمار.

كما أكد مندوبو روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا والبحرين وباكستان والصومال ولاتفيا وبنما وكولومبيا واليونان، دعم سيادة سوريا ووحدة أراضيها، ورفض الاعتداءات الإسرائيلية، والدعوة إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، بما فيها الجولان والالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

مشاركة هذه المقالة