دمشق-سانا
تعمل سوريا منذ التحرير على إعادة صياغة موقعها في المشهدين الإقليمي والدولي عبر بناء علاقاتها الخارجية على قاعدة السيادة الوطنية وتوازن المصالح، بعيداً عن القطيعة أو الارتهان لأي طرف.
وتبرز العلاقة مع روسيا كأحد أوضح نماذج هذه السياسة، إذ اتجهت الدولة السورية إلى إعادة تنظيمها بما يعزز قرارها السيادي على أراضيها، ويعيد تحديد طبيعة التعاون بين البلدين وفق المصالح المشتركة.
وفي هذا السياق، وبعد نحو 18 شهراً من المفاوضات والمباحثات المكثفة، توصلت دمشق وموسكو إلى مذكرة تفاهم في التاسع من آب الجاري، تعيد تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري.
وتنص المذكرة على أن تستعيد سوريا إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، فيما يعاد تنظيم المنشآت ذات الطابع العسكري لتتحول من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة ضمن ترتيبات جديدة تحفظ المصالح المتبادلة بين دمشق وموسكو.
كما تضع سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ.
وتكتسب هذه الترتيبات أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الإستراتيجي للمنشآت المشمولة بها، إذ شكل مطار حميميم منذ التدخل العسكري الروسي إلى جانب النظام البائد عام 2015 مركزاً رئيسياً للعمليات الجوية الروسية في سوريا، فيما وفر ميناء طرطوس لموسكو منفذاً بحرياً مهماً على البحر المتوسط.
ولا تقتصر أهمية التفاهم على إعادة تنظيم وضع منشآت إستراتيجية، بل تمتد إلى دلالاته السياسية، إذ تنتقل العلاقة بين دمشق وموسكو من ترتيبات ارتبطت بظروف المرحلة السابقة إلى صيغة جديدة تسعى سوريا من خلالها إلى تثبيت سيادتها وإقامة تعاون يقوم على المصالح المتبادلة.
شراكة جديدة
ويعود التعاون بين دمشق وموسكو إلى عام 1944 وشهد خلال العقود التالية مراحل متعددة إلا أن النظام البائد وظف هذه العلاقات لخدمة مصالحه الضيقة، وبرز ذلك مع التدخل العسكري الروسي إلى جانبه عام 2015 وما رافقه من توسع للوجود الروسي في منشآت إستراتيجية سورية، ولا سيما في الساحل.
ومع التحرير، بدأت دمشق مراجعة طبيعة هذا الوجود والترتيبات المرتبطة به، ضمن توجه لإعادة بناء العلاقة مع موسكو، وتأتي إعادة تنظيم الوجود الروسي اليوم في هذا الإطار، بوصفها انتقالاً من ترتيبات ارتبطت بظروف المرحلة السابقة إلى صيغة جديدة تحدد فيها الدولة السورية طبيعة التعاون ومجالاته وفق مصالحها الوطنية.
ويرى المحلل والباحث في الشأن السياسي الروسي ديميتري بريجع في تصريح لـ”سانا” أن الاتفاق يشكل منعطفاً مهماً في تاريخ العلاقات السورية الروسية، إذ يعكس انتقالها من ترتيبات ارتبطت خلال سنوات الحرب بظروف استثنائية إلى علاقة أكثر توازناً تقوم على التفاوض والحوار واحترام السيادة والمصالح المتبادلة.
ويشير بريجع إلى أن دمشق تدير علاقاتها الخارجية اليوم من موقع صاحبة القرار السيادي بحيث تحدد طبيعة شراكاتها ومجالات التعاون التي تتوافق مع مصالحها.
مسار تفاوضي لإعادة تعريف العلاقة
لم تأت الصيغة الجديدة للعلاقة بين دمشق وموسكو بصورة مفاجئة، بل كانت نتيجة مسار تفاوضي بدأ في 29 كانون الثاني 2025 عندما استقبل الرئيس أحمد الشرع وفداً روسياً برئاسة المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف.
وأكد الرئيس الشرع حينها أن استعادة العلاقات يجب أن تعالج أخطاء الماضي، وتحترم إرادة الشعب السوري، وتخدم مصالحه.
وتبع ذلك اتصال بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الشرع في شباط، أبدت خلاله موسكو استعدادها لإعادة النظر في الاتفاقيات التي أبرمتها مع النظام البائد.
وتواصل الحوار بزيارة وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني إلى موسكو في تموز 2025 ثم زيارتي الرئيس الشرع إلى موسكو في تشرين الأول من العام نفسه وكانون الثاني 2026.
واستمرت المباحثات مع وصول وفد روسي رفيع المستوى إلى دمشق في الرابع من شباط الماضي لبحث الوجود العسكري الروسي وآفاق التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين، وصولاً إلى مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في التاسع من آب الجاري.
ويعكس استمرار المفاوضات لأكثر من عام ونصف توجه دمشق إلى إعادة تنظيم العلاقة بدلاً من قطعها، وفي الوقت نفسه عدم الإبقاء على الترتيبات السابقة بصيغتها القديمة، بما يفتح المجال أمام نموذج جديد للتعاون بين البلدين.
سياسة خارجية متعددة الاتجاهات
ولا تنفصل إعادة ترتيب العلاقة مع موسكو عن المسار الأوسع للسياسة الخارجية السورية منذ التحرير، والذي يقوم على تنويع الشراكات والانفتاح على المحيط العربي والولايات المتحدة والدول الغربية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات التعاون مع القوى الدولية الأخرى، لبناء شبكة من العلاقات لا تقوم على الاصطفاف مع طرف دولي في مواجهة آخر، وإنما على تحديد مجالات التعاون مع كل طرف وفق المصالح الوطنية ومتطلبات إعادة الإعمار وترسيخ الاستقرار.
وانعكست نتائج هذه السياسة في تنامي التأييد الدولي لجهود إعادة الإعمار والاستقرار، وبالتزامن مع الذكرى الأولى للتحرير، أجرى ممثلو الدول الـ15 الأعضاء في مجلس الأمن زيارة إلى سوريا، هي الأولى من نوعها منذ تأسيس المجلس عام 1945.
ووصف مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي حينها الزيارة بأنها محطة تاريخية تشير إلى انتقال الموقف الدولي من الانقسام حول سوريا إلى التوحد في دعمها.