دمشق-سانا
تكتسب الزيارة المقررة للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى سوريا أبعاداً سياسية وإنسانية تتجاوز إطار اللقاءات الرسمية والبروتوكولية، إذ تأتي في مرحلة تشهد فيها البلاد استكمال بناء مؤسساتها واستعادة حضورها الإقليمي والدولي بعد التحرير.
وتشكل الزيارة مؤشراً جديداً على تبدل نظرة المجتمع الدولي إلى سوريا من دولة طرح ملفها لسنوات في مجلس الأمن، بوصفه إحدى أكثر القضايا تعقيداً، إلى دولة تتجه بثبات نحو التعافي وإعادة البناء وتعزيز حضورها الدولي.
أول زيارة.. ورسالة سياسية واضحة
تكتسب الزيارة أهمية استثنائية لأنها الأولى التي يقوم بها غوتيريش إلى سوريا منذ توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة عام 2017، كما أنها أول زيارة لأمين عام للمنظمة إلى دمشق منذ زيارة بان كي مون عام 2009.
ووفق ما أعلنه المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، فإن غوتيريش سيجدد خلال زيارته التأكيد على الالتزام بدعم الحكومة والشعب السوري، مع التشديد على احترام سيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، وهي رسائل تكتسب أهمية خاصة في ظل التطورات التي تشهدها البلاد.
وتأتي الزيارة بعد تنامي الانفتاح الدولي على سوريا، والخطوات العملية التي تتخذها الدول العربية إلى جانب الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية لتعزيز التعاون مع دمشق، بما يعكس تحولاً تدريجياً في مقاربة المجتمع الدولي تجاه البلاد، والانتقال من التركيز على الاستجابة الإنسانية إلى دعم جهود الاستقرار والتعافي وإعادة الإعمار.
سوريا تستعيد حضورها الدولي
وأكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي أمام جلسة لمجلس الأمن يوم الثلاثاء الماضي، أن دمشق تتطلع إلى استقبال الأمين العام في زيارة “أبعد من أن تكون محطة بروتوكولية”، بل “شاهداً حياً على تحول تاريخي صنعه السوريون والسوريات بإرادتهم وتضحياتهم”، مشدداً على أن سوريا “حضرت طويلاً في المجلس بوصفها أزمة مستعصية، وتعود اليوم إليه بوصفها قصة نجاح”.
بينما جدد مندوبو الدول الأعضاء خلال الجلسة التأكيد على دعم سيادة سوريا واستقلالها ووحدة أراضيها، ومساندة جهودها في تحقيق الاستقرار والتعافي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
استمرار لمواقف أممية داعمة
وتأتي زيارة غوتيريش استكمالاً للمواقف التي أعلنها منذ تحرير سوريا في 8 كانون الأول 2024، إذ أكد في أكثر من مناسبة أن الأمم المتحدة تقف إلى جانب الشعب السوري، وأنها مستعدة لدعم المرحلة الجديدة في البلاد، وتعزيز جهود بناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار، مع التشديد على احترام سيادة سوريا واستقلالها ووحدتها.
كما دعا إلى تهيئة الظروف التي تتيح عودة اللاجئين والنازحين بصورة آمنة وكريمة، مؤكداً أن المجتمع الدولي مطالب بدعم جهود التعافي وإعادة الإعمار، بما يمكن السوريين من إعادة بناء حياتهم.
من الإغاثة إلى التعافي
وتحمل الزيارة بعداً إنسانياً لا يقل أهمية عن بعدها السياسي، إذ سيطلع غوتيريش ميدانياً على آثار سنوات الحرب، ويلتقي ممثلين عن المجتمع المدني والمنظمات النسائية ومختلف مكونات المجتمع السوري للاستماع إلى رؤيتهم بشأن المرحلة المقبلة.
ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة وجود فرصة حقيقية لدعم جهود التعافي وإعادة بناء سبل العيش، حيث أوضحت مديرة العمليات في مكتب المنظمة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إيديم ووسورنو أمام مجلس الأمن، أن عودة السوريين إلى بلادهم تعكس تعافي سوريا وإصرارهم على إعادة بناء حياتهم، مبينة أن نحو 1.7 مليون لاجئ، و1.9 مليون نازح عادوا إلى سوريا منذ كانون الأول 2024.
زيارة أندوف… تأكيد أممي على وقف الاعتداءات الإسرائيلية
وفي ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية ولا سيما في الجنوب، يتضمن برنامج الأمين العام زيارة قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان السوري المحتل (أندوف).
وتأتي هذه الخطوة وسط تأكيد المنظمة الأممية المستمر على ضرورة وقف هذه الاعتداءات والتزام إسرائيل باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، والانسحاب من جميع الأراضي التي تحتلها في جنوب سوريا.
كما تعكس زيارة غوتيريش مقر الـ”أندوف” القوة التي أُنشئت في 31 أيار 1974، للإشراف على تنفيذ اتفاق فضّ الاشتباك، اهتمام الأمم المتحدة بالحفاظ على الاستقرار في منطقة الفصل، والتأكيد على دور المنظمة في متابعة تنفيذ الاتفاقات الدولية.
وفي ظل المتغيرات التي تشهدها سوريا، ولا سيما استكمال بناء مؤسسات الدولة، من خلال تشكيل المحكمة الدستورية العليا، وانطلاق أعمال مجلس الشعب، والتقدم في مسار العدالة الانتقالية، وهي خطوات وصفتها الأمم المتحدة بأنها محطات بارزة على طريق ترسيخ الاستقرار وبناء الدولة، تبرز زيارة الأمين العام للأمم المتحدة محطة مفصلية في مسار العلاقة مع المنظمة الدولية، ومؤشراً على انتقال أولويات التعاون من إدارة تداعيات الأزمة إلى دعم التعافي والتنمية وتعزيز الاستقرار.