نيويورك-سانا
أكّدت “الآلية الدولية المحايدة المستقلة المعنية بالمساعدة في التحقيق في أخطر الجرائم في سوريا” أن الانتقال السياسي في البلاد بعد سقوط النظام البائد، أتاح فرصاً جديدة وفريدة للمساءلة، بما في ذلك عبر الحوار المباشر مع المؤسسات السورية والهيئات الوطنية المكرسة لتحقيق العدالة الانتقالية.
ونقل مركز أنباء الأمم المتحدة عن الآلية قولها في التقرير الثاني عشر الذي استعرضته خلال اجتماع في الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس الأربعاء، والذي يغطي السنة الأولى الكاملة لعمل الآلية بعد سقوط النظام البائد في الـ 8 من كانون الأول عام 2024: إنها تمكنت من تحقيق تقدم ملموس في النهوض بالعدالة الشاملة في سوريا، رغم القيود الكبيرة والمستمرة المتعلقة بالموارد.
وأوضح روبرت بيتي رئيس الآلية أن التقدم المُحرَز خلال العام الماضي في تحقيق العدالة بشأن الجرائم المرتكبة في سوريا، لم يقتصر فقط على إجراءات بدأت في الخارج، بل شمل أيضاً تدابير اتُّخذت داخل البلاد، منوّهاً في هذا السياق بعمل مؤسسات الدولة، ومنها اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية للمفقودين، في التوثيق وحفظ الأدلة والتشاور مع الضحايا والناجين.
تعاون كبير
وأشار بيتي إلى أن الآلية تمكنت لأول مرة منذ إنشائها قبل عشر سنوات من زيارة سوريا، وقامت خلال العام الماضي بمهمات شهرية، تواصلت خلالها بشكل مستمر مع وزارات الخارجية والعدل والداخلية.
ولفت بيتي إلى أن الحوار مع الحكومة السورية تطوّر خلال عام 2025، من اجتماعات تمهيدية إلى مناقشات جوهرية، وقال: “تم اتخاذ خطوة مهمة على مسار التعاون، في شباط الماضي عندما سمحت السلطات السورية للآلية بالقيام بعمل يتعلق بالتحقيقات على الأرض السورية للمرة الأولى، وخلال البعثة، سُمح للآلية بالوصول إلى منشأة احتجاز عُرفت بارتكاب الفظائع فيها، ما سمح لنا بالمساعدة في حفظ الأدلة لأغراض العدالة في الولاية القضائية المطلوبة وكذلك في سوريا”.
وأوضح أن الآلية حصلت قبل أيام على إذن من الحكومة السورية بإيفاد مسؤول في مجال الأدلة إلى دمشق لدعم جهود اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية في إدارة المعلومات.
التواصل مع المجتمع المدني والناجين
وذكر بيتي أن هناك تعاوناً مستمراً مع المجتمع المدني السوري والضحايا والناجين، وأن ممثلي المجتمع المدني يشددون على الحاجة إلى القيام بعمليات شفافة ووضع ضمانات ذات مصداقية، ويؤكدون أن العدالة الدولية – بما في ذلك عمل الآلية – لا تزال أساسية للسوريين في هذه المرحلة.
التعامل مع جرائم الحرب، وتحقيق المصالحة
وشدد بيتي على أن الآلية تعمل “كوحدة معنية بجرائم الحرب في سوريا”، وأنها مستعدة للعمل مع جميع الأطراف الملتزمة بتحقيق العدالة على نحو محايد وشامل يركز على الضحايا، داعياً الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى تقديم دعم مستدام لإرساء الأساس لعملية مساءلة بقيادة سورية، تسهم ليس فقط في تحقيق الحقيقة والعدالة، بل أيضاً في تعزيز فرص المصالحة والسلام والأمن الدائمين، كما دعا دول الأمم المتحدة إلى زيادة التمويل في الميزانية العادية والتبرعات التكميلية.
توصيات
وأصدرت الآلية عدداً من التوصيات، منها دعوة الحكومة السورية إلى مواصلة المشاركة البناءة والحوار، والإذن بوجود الآلية داخل سوريا، والسماح لها ببدء وتنفيذ عملياتها “دعماً لجهود العدالة في البلد وإجراءات المساءلة الجنائية التي تتخذها دول أخرى”.
وفي كانون الأول 2016 أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة الآلية الدولية للمساعدة في التحقيق والملاحقة القضائية للأشخاص المسؤولين عن الجرائم الأشد خطورة، المرتكبة في سوريا منذ آذار2011.
رئيسة الجمعية: المساءلة عن الجرائم ووضع حد للإفلات من العقاب
رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك من جانبها قالت: إن الآلية أنشئت استناداً إلى قناعة بأنه “حتى في أحلك الساعات، يجب الحفاظ على الأدلة، وحماية الحقيقة، ووضع حد للإفلات من العقاب، لأنه بدون المساءلة لصالح الضحايا والناجين، لا يمكن أن تتحقق العدالة، وبدون العدالة، لا يمكن أن يسود سلام دائم”.
وأضافت: “إن الشعب السوري عانى، خلال سنوات الحرب، من بعض أشد الجرائم خطورة التي عرّفها القانون الدولي، وهي جرائم ارتكبها في المقام الأول نظام الأسد، ولكن ارتكبتها أيضاً مجموعات أخرى”.
وأشارت إلى أن هذا الفصل الجديد في البلاد “لا يجلب الأمل لملايين السوريين فحسب، بل يأتي أيضاً بمسؤولية لمواجهة الماضي وبناء مستقبل يرتكز على العدالة للجميع، وتحقيق العدالة بشأن جميع الجرائم”.
ودعت المجتمع الدولي والجمعية العامة إلى دعم الآلية بشكل راسخ “يستند إلى حقوق وكرامة كل سوري، أياً كان دينه أو عرقه أو هويته”.
وشددت على أن العدالة يجب أن تكون بقيادة وملكية سورية، وأن المساءلة عن الجرائم ضد الإنسانية، ووضع حد للإفلات من العقاب أمران جوهريان “لأن التاريخ لن يحكم علينا بناء على كيفية استجابتنا للحرب” فحسب، بل سيحكم علينا بناء على كيفية وقوفنا نصرة للسلام الذي يعقب الحرب، وما فعلناه لتحقيق العدالة والمساءلة.
وكان مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي أكد خلال الجلسة أنّ العدالة الانتقالية، وإنصاف ضحايا الجرائم المرتكبة بحق السوريين، يشكّلان الأساس لبناء سوريا الجديدة.
وشدّد علبي على التزام الدولة السورية ومؤسساتها المختصة بمسارٍ منظم لكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، مشيراً إلى أهمية الشراكة مع المجتمع الدولي، والآليات الدولية لدعم هذا المسار بما يضمن عدم الإفلات من العقاب.