عدن-سانا
دخلت التطورات في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع تجدد المعارك بين القوات اليمنية وميليشيا الحوثي، بالتزامن مع امتداد هجمات الميليشيا إلى مدن ومنشآت اقتصادية في السعودية، ما أعاد الساحة اليمنية إلى واجهة التوترات الإقليمية المتصاعدة.
ويتزامن ذلك مع تداعيات المواجهة بين واشنطن وطهران، وارتفاع مستوى المخاطر المحيطة بالممرات البحرية الاستراتيجية، ولا سيما مضيقي هرمز وباب المندب، ليغدو اليمن مجدداً جزءاً أساسياً من الحسابات الأمنية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة.
من التصعيد الداخلي إلى البعد الإقليمي
بدأت موجة التصعيد الحالية بعد سماح الحوثيين لطائرة إيرانية بالهبوط في الأراضي اليمنية رغم القيود المفروضة على المجال الجوي، ما أعقبه قصف للمطار، قبل أن تتجدد المواجهات بين القوات الحكومية والميليشيا على عدة جبهات وتتسع العمليات خلال الأيام الأخيرة.
وبالتوازي مع المعارك داخل اليمن، كثفت الميليشيا هجماتها على مدن ومنشآت اقتصادية في السعودية، ولا سيما أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، فيما ردت الرياض بغارات استهدفت مواقع تابعة لها.
وبذلك، تجاوز التصعيد حدود جبهات الحرب الداخلية إلى مستوى إقليمي أوسع، في ظل التوتر بين واشنطن وطهران واضطراب الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، بالتزامن مع دخول باكستان على خط الأزمة دبلوماسياً في إطار اتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية وتركيا، من دون بحث تدخل عسكري مباشر في الوقت الراهن.
صراع يتجاوز الداخل
وشهدت الأيام الأخيرة اشتباكات بين القوات اليمنية وميليشيا الحوثي في تعز والجوف والبيضاء وجبهات الساحل الغربي..
وأعلنت القوات اليمنية سيطرتها على عدة مناطق في المكازمة والميهال وتباب غرب تعز، ومواصلة استهداف تعزيزات عسكرية للميليشيا، فيما أعلنت الدفاعات الجوية إسقاط عدد من الطائرات المسيّرة، وسط مساع حكومية لتوسيع نطاق العمليات واستعادة مزيد من المواقع.
ويرى المحلل السياسي اليمني عاصم محمد مجاهد، في تصريح لـ سانا، أن أهمية هذه التطورات تتجاوز الحسابات الميدانية، ولا سيما في الساحل الغربي والمناطق القريبة من باب المندب، إذ بات أي تحرك عسكري فيها يرتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.
وأشار مجاهد إلى أن إيران تسعى إلى الاستفادة من الموقع الجغرافي لليمن عبر الحوثيين وإدخال الجبهة اليمنية ضمن معادلة الضغط على خصومها، بما يجعل الصراع إحدى ساحات التنافس على الممرات البحرية الاستراتيجية.
اعتداءات تطال العمق السعودي
وتزامن التصعيد داخل اليمن مع اعتداءات حوثية استهدفت أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، إضافة إلى منشآت اقتصادية وأخرى مرتبطة بقطاع الطاقة.
وأعلنت السعودية إصابة 73 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، جراء الاعتداءات، مشيرة إلى اندلاع حرائق وتوقف مؤقت في بعض منشآت الطاقة، فيما أظهرت صور بثّتها وسائل إعلام أضراراً في منازل ومواقع مدنية، وأعلنت السلطات تفعيل صفارات الإنذار في أبها ونجران وجازان.
وأكد المتحدث باسم قوات التحالف تركي المالكي أن قيادة القوات المشتركة ستتخذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع الاعتداءات وحماية السعودية ومواطنيها والمقيمين على أراضيها.
ورغم التصعيد، أبقت الرياض الباب مفتوحاً أمام المسار الدبلوماسي، إذ أكد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان أن المملكة ستواصل دعم السلام والحلول الدبلوماسية، مع تمسكها بحقها في الدفاع عن أمنها ومصالحها.
باب المندب.. ورقة ضغط تتصل بهرمز
يمنح الموقع الجغرافي لليمن تطورات الصراع بعداً يتجاوز حدوده، إذ يربط مضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل أحد الممرات الرئيسية للتجارة والطاقة العالمية.
وأوضح مجاهد أن باب المندب وهرمز يمثلان نقطتي اختناق مختلفتين لكن تأثيرهما في الاقتصاد العالمي مترابط، إذ يؤدي اضطراب أحدهما إلى فرض مسارات أطول وأكثر تكلفة على حركة التجارة، بينما يضاعف الضغط المتزامن عليهما المخاطر التي تواجه سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.
وحذر من أن محاولة إغلاق باب المندب بصورة كاملة تختلف في تداعياتها عن استهداف سفن محددة، وقد تدفع المجتمع الدولي إلى التعامل معها بوصفها تهديداً مباشراً لأحد أهم الممرات التجارية العالمية واتخاذ إجراءات أكثر مباشرة لحماية الملاحة.
وتزداد حساسية هذا السيناريو مع الاضطرابات المحيطة بمضيق هرمز، إذ من شأن تزامن الضغوط على المضيقين رفع تكلفة النقل والتأمين وتعقيد البدائل أمام حركة التجارة الدولية.
إيران والحوثيون.. قدرة تتجاوز الداخل
ويمثل الدعم الإيراني لميليشيا الحوثي أحد أبرز الأبعاد الإقليمية للأزمة اليمنية، إذ تشير تقارير دولية إلى حصول الميليشيا على دعم عسكري وتقني من إيران، في حين تتملص طهران من المسؤولية وتؤكد أنها لا تتحكم مباشرة بقرارات الحوثيين وعملياتهم.
وأحرزت الميليشيا تقدماً ميدانياً بسيطرتها على سلسلة جبال كهبوب المطلة على مضيق باب المندب، بالتزامن مع محاولات للتقدم في جنوب تعز، فيما أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع غربي تعز وتحقيق تقدم في محافظة الجوف.
وتأتي هذه التطورات في ظل تغيرات ميدانية بدأت تؤثر في خريطة السيطرة بعد سنوات من الثبات النسبي في خطوط التماس، ولا سيما مع وصول المواجهات إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية قرب الساحل الغربي وباب المندب.
وقال مجاهد: إن الدعم الإيراني تطور من مساندة جماعة مسلحة إلى بناء قدرة عسكرية قادرة على أداء دور ذراع متقدمة لإيران في جنوب البحر الأحمر، موضحاً أن هذا الدعم شمل الأسلحة والخبرات والتدريب والمعلومات الاستخباراتية، وأسهم في تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للسفن.
وبرأيه، أصبحت هذه القدرات جزءاً من المعادلة الإقليمية، بما يتيح لطهران امتلاك ورقة ضغط خارج أراضيها، فيما يمنح الموقع الجغرافي للحوثيين ورقة ضغط متصلة بالبحر الأحمر وباب المندب.
وتتزايد أهمية هذه العلاقة في ظل المواجهة بين واشنطن وطهران، إذ قد يؤدي اتساع عمليات الحوثيين إلى فتح جبهة غير مباشرة جديدة، ولا سيما في حال استمرار الهجمات على السعودية أو حركة الملاحة في البحر الأحمر.
الرياض.. بين الردع والاحتواء
تواجه السعودية معادلة تجمع بين حماية أمنها وحدودها ومصالحها الاستراتيجية، وتجنب انزلاق اليمن والمنطقة إلى حرب مفتوحة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الرياض حقها في الدفاع عن سيادتها وأمنها، تتمسك بأولوية الحلول السياسية والدبلوماسية، مع الإبقاء على أدوات الردع اللازمة لمنع تحول الاعتداءات على أراضيها أو تهديد الملاحة إلى واقع دائم.
ويرى مجاهد أن الرهان على المسار السياسي وحده أثبت محدوديته بعد سنوات من عدم التزام الحوثيين بالتفاهمات والاتفاقات، واستثمار فترات التهدئة لإعادة بناء قدراتهم وتعزيز مواقعهم.
ورجح أن يتجه الدور السعودي إلى إعادة تشكيل المعادلة اليمنية عبر ترتيب صف الشرعية سياسياً وعسكرياً وتوحيد قرارها، وإنهاء حالة التشتت التي استفاد منها الحوثيون، بما قد يمهد لانتقال أكثر وضوحاً نحو الحسم العسكري.
وتضع هذه الرؤية الرياض أمام معادلة دقيقة هي الحفاظ على أولوية المسار السياسي، مع امتلاك أدوات ردع تمنع تحويل الاعتداءات على الأراضي السعودية أو تهديد الملاحة إلى واقع دائم.
التزام دفاعي دون تدخل فوري
ودخلت باكستان على خط الأزمة في ضوء اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها مع السعودية وتركيا الشهر الماضي في مكة.
وقال المتحدث باسم الخارجية الباكستانية سجاد حيدر خان: إنه لا توجد حالياً مناقشات بشأن رد عسكري على الاعتداءات الحوثية بموجب الاتفاقية، مؤكداً أن إسلام أباد ستتحرك وفق بنودها عندما تقتضي الظروف ذلك.
ويعكس هذا الموقف محاولة باكستان الموازنة بين التزاماتها الدفاعية تجاه السعودية وعدم الانخراط المباشر في التصعيد، مع إبقاء خيار التحرك الجماعي قائماً في حال اتساع نطاق الهجمات.
الرياض.. مفتاح التصعيد والتهدئة
تملك السعودية، بحكم موقعها وثقلها العربي والإقليمي والدولي، هامشاً واسعاً للتحرك بين الردع والتهدئة، وبينما تؤكد حقها في الدفاع عن أمنها وسيادتها، تبقي الحلول السياسية والدبلوماسية في صدارة خياراتها.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن أي مسار للتهدئة لم يعد منفصلاً عن المعادلة الأمنية التي فرضها انتقال التهديد الحوثي من الجبهات اليمنية إلى العمق السعودي والممرات البحرية الاستراتيجية.
وحذر مجاهد من تحول الوضع إلى معادلة مستدامة يصبح فيها مضيق هرمز تحت ضغط إيراني وباب المندب تحت ضغط حوثي، لافتاً إلى أن القدرة على تهديد المضيقين ورفع تكلفة الملاحة قد تشكل ورقة جيوسياسية مؤثرة حتى من دون إغلاقهما فعلياً.
وفي المحصلة، تدخل الأزمة اليمنية مرحلة تتجاوز فيها المعركة حدود السيطرة على المدن والجبهات، إذ أصبح الموقع الجغرافي لليمن نفسه جزءاً من الصراع الإقليمي، بينما تتقاطع حسابات السعودية وإيران والحوثيين مع أمن الممرات البحرية الدولية، وسط محاولة للموازنة بين الردع ومنع تحول اليمن إلى جبهة مفتوحة في مواجهة إقليمية أوسع.