دمشق-سانا
يواجه أطفال سوريا مخاطر الألغام ومخلفات الحرب، بينما تتواصل جهود التوعية والمسح والإزالة لحمايتهم وتأمين عودتهم الآمنة إلى مناطقهم المتضررة من هذه المخلفات التي تركها النظام البائد.
324 ألف مخلَّف متفجِّر.. أين يكمن الخطر؟
تقدِّر منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” وجود نحو 324 ألف قطعة من الألغام ومخلفات الحرب في سوريا، بينما يعيش نحو 5 ملايين طفل في مناطق ملوَّثة بها.
وحسب تقرير لليونيسف يغطي الفترة من 8 كانون الأول 2024 حتى 28 شباط 2026، سجلت 1051 حادثة مرتبطة بالذخائر المتفجِّرة، أسفرت عن 1891 ضحية، بينهم 698 قتيلاً و1193 مصاباً، بينما بلغ عدد الأطفال بين القتلى 205 أطفال، وبين المصابين 480 طفلاً.
وفي تحديث لليونيسف ضمن نداء عام 2026، ارتفع عدد الأطفال الذين قتلوا منذ كانون الأول 2024 إلى 252 طفلاً، بينما بلغ عدد المصابين 601 طفل.
ولا تقتصر المخلفات على مناطق المعارك، بل قد توجد في الحقول والطرقات والمنازل والأبنية المتضررة والمدارس والملاعب، ما يعرض الأطفال للخطر أثناء اللعب أو الذهاب إلى المدرسة أو استكشاف أماكن مهجورة.
جسم غريب في طريق الطفل.. ماذا يفعل؟
تزداد المخاطر مع عودة الأسر إلى مناطقها الأصلية، حيث قد يواجه الأطفال أجساماً لا يعرفون طبيعتها أو خطورتها، ولذلك تركز برامج التوعية على قاعدة واضحة: عدم الاقتراب من الجسم المشبوه أو لمسه أو تحريكه، والابتعاد عنه وتحذير الآخرين وإبلاغ الجهات المختصة.
وتؤكّد معاونة مديرة مدرسة الحكمة الأولى في منطقة داريا ميادة خشفه، في تصريح لـ”سانا”، أن وعي الطلاب بمخاطر مخلفات الحرب وطرق التعامل معها شهد تحسناً ملحوظاً نتيجة حملات التوعية التي نفذتها الجهات المعنية والمنظمات، ولاسيما ما يتعلق بعدم الاقتراب من الأجسام المشبوهة أو لمسها والإبلاغ عنها.
وأوضحت أن بعض الحوادث الناتجة عن التعامل مع أجسام متروكة في الأبنية المتضررة أسهمت في تعزيز وعي الأطفال والأهالي، مشيرة إلى أهمية دور الكادر التعليمي والأسرة في ترسيخ رسائل الوقاية، واستثمار الدروس والأنشطة التعليمية في تقديمها بصورة مستمرة.
ولفتت خشفه إلى ضرورة تعزيز برامج التوعية في المدارس القريبة من المناطق المتضررة، وخاصة المدارس التي أُعيد افتتاحها حديثاً، مع التأكد من سلامة محيطها والاستفادة من برامج المنظمات والجهات المختصة.
وبينت أن المحاضرات المدعَّمة بالقصص والمواد المصورة ومقاطع الفيديو من أكثر الأساليب فاعلية في إيصال المعلومات للأطفال، بينما يزيد التفاعل عندما تتضمن الجلسات جانباً عملياً وتدريبياً يعرفهم بأشكال بعض المخلفات بصورة آمنة وكيفية التصرف عند العثور على جسم مشبوه.
وأكدت أن مدرسة الحكمة الأولى لم تسجل أي شكوى بوجود أجسام مشبوهة داخل المدرسة أو محيطها، لكنها أشارت إلى تسجيل حالات مشابهة في مدارس أخرى، بينها العثور على أجسام تشبه الألعاب أو أشياء مألوفة تحتوي على مخلفات حرب، ما يستدعي استمرار التوعية.
من المدرسة إلى البيت.. كيف تحمي الأسرة أطفالها؟
بدوره، قال ماهر خضير، أحد أولياء الأمور القاطنين في زملكا: إن مخلفات الحرب ما زالت تمثل خطراً، وخصوصاً على الأطفال، موضحاً أن الأسرة لم تشاهد أجساماً مشبوهة قرب مكان سكنها، لكنها سمعت عن وجودها في مناطق أخرى، ما دفعها إلى زيادة الحذر أثناء لعب الأطفال وتنقلهم في المناطق المدمَّرة غير المأهولة.
وأكد خضير حرص الأسرة على تعليم أطفالها عدم لمس الأجسام المجهولة أو تحريكها والابتعاد عنها وإبلاغ الأهل أو المعلمين أو الجهات المختصة فوراً، مشدداً على أهمية تكامل دور الأسرة والمدرسة.
707 آلاف طفل تلقوا رسائل الوقاية
لا تقتصر التوعية على الاستجابة للحوادث، بل تشكل جزءاً أساسياً من العمل الوقائي المستمر، وخلال عام 2025، استفاد 707199 طفلاً في سوريا من برامج التوعية بمخاطر الذخائر المتفجرة، ضمن برامج حماية أوسع وصلت إلى 918484 طفلاً.
وتستخدم برامج التوعية أساليب تفاعلية ومواد بصرية وأنشطة مناسبة للأطفال، بهدف تعريفهم بالأجسام الخطرة وكيفية الابتعاد عنها والإبلاغ عنها بصورة آمنة، ما يجعل الوعي وسيلة حماية مباشرة إلى حين إزالة المخلفات من المناطق الملوثة.
981 عملية إزالة و369 مسحاً و631 جلسة توعية
تعمل وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث على التعامل مع مخلفات الحرب ضمن مسار متكامل يشمل المسح والاستجابة للبلاغات والإزالة والتوعية وإتلاف المخلفات وفق إجراءات السلامة.
وخلال النصف الأول من عام 2026، نفذت فرق إزالة مخلفات الحرب ومكافحة الألغام 981 عملية لإزالة ذخائر غير منفجرة، إضافة إلى 369 عملية مسح غير تقني، إلى جانب 631 جلسة توعية لتعزيز الوعي بمخاطر المخلفات وسبل الوقاية منها.
وتتيح عمليات المسح والاستجابة للبلاغات تحديد المناطق التي يحتمل وجود مخلفات فيها، والتعامل معها قبل وصول المدنيين إليها، بينما توفّر التوعية حماية مباشرة للسكان، ولاسيما الأطفال، إلى حين تطهير المناطق بشكل كامل.
ثلاثة أعوام.. نحو استراتيجية وطنية لإزالة الألغام
وفي إطار بناء استجابة وطنية طويلة الأمد، يعمل المركز الوطني للأعمال المتعلقة بالألغام في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث على إعداد استراتيجية وطنية متكاملة لمدة ثلاثة أعوام لإزالة وتطهير الأراضي السورية من الألغام والذخائر غير المنفجرة، بالتوازي مع بناء قدرات وطنية مستدامة وتطوير منظومة العمل والمعايير الناظمة.
وقال رئيس دائرة الإزالة في المركز رائد حسون: إن الاستراتيجية تقوم على إنشاء نظام معلومات وطني، وبناء القدرات، وتنفيذ المسح والتطهير، ووضع معايير ناظمة، موضحاً أن المركز يتولى الإشراف والتنسيق وضبط الجودة ولا يمتلك فرقاً ميدانية للتطهير.
وأشار حسون إلى اختبار طائرات مسيّرة ألمانية للمسح التقني وتجربة كاسحات ألغام حديثة، لافتاً إلى أن اتساع رقعة التلوث ونقص الكوادر والمعدات والدعم المالي أبرز تحديات العمل.
جنيف.. من التخطيط إلى الشراكة في إزالة الألغام
وعُقد في مدينة جنيف السويسرية بين 22 و24 حزيران 2026 مؤتمر المعنيين بأعمال إزالة الألغام في سوريا برئاسة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، وبحث واقع التلوث بالألغام والذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب، والجهود المبذولة لمعالجته، والتحديات وأولويات الاستجابة وسبل تعزيز التعاون الدولي.
وأكد الصالح أن إزالة الألغام أولوية وطنية ترتبط بحماية المدنيين وتهيئة الظروف لعودة النازحين وإعادة الإعمار، فيما تناولت جلسات المؤتمر سبل تطوير القدرات الوطنية وتوسيع عمليات المسح والتطهير والتوعية.
وتتواصل الشراكات الدولية في هذا المجال، ومنها مشروع أطلقته وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث ووزارة الزراعة بالشراكة مع دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام “UNMAS” ومنظمة الأغذية والزراعة “FAO”، وبتمويل ياباني، لإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة وإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية في المناطق المتضررة.
110 آلاف مخلّف.. ماذا تعني إزالة الخطر للسكان؟
وأظهرت إحصائية لوزارة الدفاع أن أفواج الهندسة العسكرية في الجيش العربي السوري فككت أو أتلفت أكثر من 110 آلاف لغم ومخلف حربي في مختلف المحافظات منذ بداية عام 2026، ضمن جهود إزالة الألغام ومخلفات الحرب وتأمين المناطق الملوثة.
ولا تقف أهمية هذه العمليات عند الجانب الأمني، إذ يتيح تطهير الأراضي عودة السكان واستئناف الزراعة وإعادة تشغيل المنشآت والخدمات، وبالنسبة للأطفال يعني ذلك استعادة حقهم في الوصول إلى المدرسة واللعب والتنقل ضمن بيئة أكثر أماناً.
وبينما تحتاج إزالة المخلفات المنتشرة في سوريا إلى وقت وفرق متخصصة وتقنيات ودعم دولي، تبقى التوعية الإجراء الأسرع وصولاً إلى الطفل؛ فالمسح يحدد الخطر، والإزالة تنهي وجوده، والتقنيات الحديثة تسرع العمل، لكن الوعي قد يمنع الحادث قبل وقوعه: “لا تلمس، لا تقترب، ابتعد، حذِّر الآخرين، وأبلغ الجهات المختصة”، ولذلك تبدأ حماية الأطفال من المدرسة والأسرة والمجتمع، وتستمر حتى تصبح الأرض آمنة بالكامل.