دمشق-نيويورك-سانا
من رحم سنوات من البحث والانتظار، حملت أمهات وزوجات وأخوات وبنات المفقودين عبء المطالبة بمصير أحبائهن، وتمسكن بحقهن في معرفة ما حلّ بهم، لتتحول معاناتهن من قضية عائلية إلى قضية حاضرة على طاولة المؤسسات الوطنية، وصولاً إلى الأمم المتحدة.
وفي 31 آب 2026، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع مشروع القرار السوري بإعلان 19 كانون الأول من كل عام يوماً دولياً لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين، في أول مشروع قرار تتقدم به سوريا إلى الأمم المتحدة في تاريخها الحديث، في خطوة تعكس انتقال الدبلوماسية السورية الجديدة إلى دور فاعل في المحافل الدولية، وتحويل قضية وطنية ولدت من المعاناة إلى قضية إنسانية عالمية.
لماذا النساء؟
اختيار النساء تحديداً يعكس طبيعة الدور الذي اضطلعن به خلال سنوات الغياب، من متابعة مصير المفقود، وجمع المعلومات، وحفظ الصور والوثائق، إلى مواجهة آثار الغياب داخل الأسرة، رغم الخوف والمخاطر.
وقالت الناشطة بيان ريحان، المقيمة في ألمانيا، وهي معتقلة سابقة وشقيقة مفقود، وعضو في رابطة “عائلات من أجل الحرية”: إن اعتماد اليوم الدولي يمثل بالنسبة إليها تكريماً للنساء السوريات وللجهود التي بذلنها في البحث عن أحبائهن.
وتستذكر ريحان في حديثها لـ”سانا” تجربتها مع أمهات وزوجات وأخوات المفقودين، مشيرةً إلى أن الصبر كان سمة بارزة لديهن، وأن النساء واصلن البحث عن أحبائهن والتمسك بقضيتهن رغم مرور السنوات.
وفي حالات أخرى، كانت المرأة نفسها ضحية للاختفاء أو الاعتقال، لتصبح القضية بالنسبة إليها مزدوجة، البحث عن قريب غائب، وتجربة الغياب التي عاشتها شخصياً.
وأكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي في تصريح لـ “سانا”، أن تحديد يوم دولي لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين يضعهن على خريطة المجتمع الدولي، مشيراً إلى أن القرار يدعو الدول الأعضاء وكيانات منظومة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية والمجتمع المدني والقطاع الخاص، والأوساط الأكاديمية ووسائط الإعلام إلى إحياء المناسبة بفعاليات تبرز جهود هؤلاء النساء والتبعات التي يواجهنها.
وأضاف علبي أن القرار يشجع على إشراك النساء الباحثات عن المفقودين في المناقشات المتعلقة بالملف، وفي عمليات صنع القرار المرتبطة بهن، معتبراً أن اعتماده بتوافق الآراء يشكل حجر أساس لأي تحرك مستقبلي لدعمهن والعمل على وضع خاتمة لمعاناتهن المستمرة وإنهاء قضية المفقودين بشكل عام.
من صوت العائلات إلى المؤسسات
خلف المبادرة سنوات طويلة من البحث عن المفقودين، وحفظ صورهم وذكرياتهم، والتمسك بحق العائلات في معرفة مصير أحبائها رغم المخاطر.
ومن هذه التجربة ولدت فكرة تخصيص يوم دولي للنساء الباحثات عن المفقودين، في وقت كانت فيه قضية المفقودين قد بدأت تأخذ مساراً مؤسساتياً، مع إنشاء الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 حزيران 2023 المؤسسة الدولية المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، ثم إنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين بعد التحرير في 8 كانون الأول 2024، لتتولى البحث عن المفقودين وكشف مصيرهم ودعم عائلاتهم.
من صوت العائلات إلى طاولة الأمم المتحدة
انتقلت المبادرة من العائلات إلى المسار الأممي عبر شراكة بين وزارة الخارجية والمغتربين والهيئة الوطنية للمفقودين، استندت إلى الاستماع المباشر إلى ذوي المفقودين.
وفي 22 تموز الماضي، دعا رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي، خلال جلسة لمجلس الأمن بصيغة “آريا” حول العدالة الانتقالية والمفقودين في سوريا، الدول الأعضاء إلى دعم مسار لاعتماد يوم دولي لنساء عائلات المفقودين.
وفي 27 تموز، عقد جلخي ومندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي جلسة حوارية مع عدد من نساء عائلات المفقودين والمختفين قسراً، للاستماع إلى تجاربهن، ووجهات نظرهن بشأن المبادرة.
علبي لـ”سانا”: من المبادرة السورية إلى توافق أممي
وقال علبي في تصريح لـ”سانا”: إن اعتماد مشروع القرار يشكل لحظة تاريخية لسوريا في علاقاتها متعددة الأطراف، لكونها المرة الأولى منذ عقود التي تتولى فيها زمام المبادرة، وتصوغ مشروع قرار وتقود المفاوضات مع الدول الأعضاء، بالتوازي مع التنسيق مع الأمانة العامة للأمم المتحدة.
وأوضح أن اعتماد القرار بتوافق الآراء يشكل شاهداً على المستوى المتقدم الذي وصلت إليه الدبلوماسية السورية خلال فترة قصيرة، سياسياً وتقنياً، مشيراً إلى أن الوصول إلى نص يحظى بتوافق جميع الدول الأعضاء رغم اختلاف مصالحها ومشاغلها ومخاوفها، يمثل إنجازاً لا يدرك حجمه إلا من عمل في أروقة الأمم المتحدة، وشهد التجاذبات التي ترافق المفاوضات والإجراءات التي تسبق نظر الجمعية العامة في مشاريع القرارات.
وأضاف مندوب سوريا أن العبارات المستخدمة في القرار نابعة من رحم المعاناة، موضحاً أنه خلال لقائه بالنساء الباحثات عن المفقودين في دمشق، بحضور رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي، جرى الاستماع إلى تجاربهن وما مررن به من قصص وتحديات وآمال، وتحويلها إلى نص أممي يجمع بين استيفاء متطلبات القبول الدولي وعكس الواقع الذي تعيشه هؤلاء النساء.
وبيّن أن صياغة النص واجهت معارضة من بعض الدول التي تمسكت باستخدام اللغات المعتادة في قرارات الأمم المتحدة والابتعاد عن الصياغات المستقاة من تجارب النساء، إلا أن الانخراط البناء والتفاوض الحثيث والمرونة المتبادلة أسهمت في تذليل العقبات، والوصول إلى نص حظي بقبول جميع الدول، ودعم النساء الباحثات عن المفقودين والاعتراف بالتحديات التي يواجهنها في رحلة البحث عن أفراد عائلاتهن.
لماذا 19 كانون الأول؟
لم يأت اختيار 19 كانون الأول تاريخاً عابراً للمناسبة الدولية، إذ يرتبط بالاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي اعتمدت في 20 كانون الأول 2006.
ولفت علبي إلى أن اختيار اليوم السابق لاعتماد الاتفاقية جاء اعترافاً بالدور الذي بذلته النساء الباحثات عن المفقودين، وبالتضحيات والتحديات والمعاناة التي مررن بها في سبيل إيصال هذه القضية إلى المجتمع الدولي.
ويمنح هذا الترابط التاريخي المناسبة الجديدة بعداً يتجاوز التكريم، إذ يأتي اليوم الدولي عشية تاريخ شكل محطة أساسية في الجهود الدولية لمواجهة الاختفاء القسري، ليضع النساء اللواتي حملن قضية المفقودين لسنوات في مقدمة هذا المسار.
قضية بحجم آلاف الغائبين
ويأتي القرار في وقت لا يزال فيه ملف المفقودين أحد أكبر التحديات الإنسانية والحقوقية في سوريا.
ووفق أحدث تحديث لقاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان في 30 آب 2026، لا يزال ما لا يقل عن 177021 شخصاً في عداد المختفين قسراً في سوريا منذ آذار 2011، بينهم 4536 طفلاً و8984 سيدة، فيما وثقت الشبكة مقتل 45365 شخصاً بسبب التعذيب أو ظروف الاحتجاز اللاإنسانية، بينهم 45038 قضوا داخل مراكز احتجاز تابعة للنظام البائد.
وأشارت الشبكة إلى تسجيل 1609 أشخاص مختفين قسراً، بينهم نساء وأطفال، كمتوفين في السجلات المدنية من دون إبلاغ عائلاتهم أو الكشف عن ظروف وفاتهم، ما زاد تعقيد مهمة معرفة المصير الحقيقي للمفقودين.
من التوثيق إلى المسؤولية الوطنية
قبل انتقال الملف إلى المؤسسات الوطنية والدولية، تولت العائلات والناشطون ومنظمات الضحايا جمع الشهادات والمعلومات وتوثيق الانتهاكات وحفظ أسماء المفقودين، وتراكمت خلال سنوات الحرب قاعدة من الأدلة أبقت القضية حاضرة في المحافل الدولية.
وكان ملف “قيصر” أحد أبرز نماذج التوثيق التي نقلت صوراً من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز إلى المستوى الدولي، فيما انتقل هذا الجهد بعد 8 كانون الأول 2024 تدريجياً إلى إطار مؤسساتي مع الهيئة الوطنية للمفقودين، التي تعمل على تنظيم البحث والتوثيق والتواصل مع العائلات وبناء قاعدة بيانات وطنية.
من الاعتراف إلى النتائج
اعتماد 19 كانون الأول يوماً دولياً لا ينهي رحلة البحث ولا يقدم بحد ذاته إجابات للعائلات، لكنه يمنح القضية اعترافاً أممياً مستداماً، ويضع دور النساء الباحثات عن المفقودين ضمن مناسبة دولية تتكرر كل عام.
وفي سوريا، أطلقت الهيئة الوطنية للمفقودين في 30 آب البرنامج الوطني “أثر” للإبلاغ عن المفقودين والمختفين قسراً عبر تطبيق وموقع إلكتروني، بالتوازي مع العمل على أكثر من 170 مقبرة جماعية، بما يشمل حماية المواقع وجمع الأدلة وتحديد هوية الرفات، وربط النتائج ببيانات المفقودين.
قضية سورية.. ورسالة إلى العالم
وباعتماد القرار، خرجت المبادرة من سياقها السوري إلى مساحة أوسع تشمل النساء الباحثات عن المفقودين في مختلف مناطق العالم، لتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتصل بدعم جهود البحث وحماية الأدلة، وتمكين الأسر من الوصول إلى المعلومات والمشاركة في المسارات التي تحدد مصير أحبائها.
وهكذا، تحولت تجربة بدأت من عائلات سورية عاشت سنوات الغياب إلى قرار أممي يحمل اسماً وتاريخاً دائمين، لكن الإنجاز يتجاوز الاحتفاء بيوم واحد، ليكون بداية لمسار أوسع نحو كشف مصير المفقودين، وتمكين عائلاتهم من معرفة ما حل بأحبائهم، وتحويل الاعتراف الدولي إلى عمل يعيد للغائبين أسماءهم ومصائرهم.