فيينا-سانا
حقق باحثون من جامعة فيينا تقدماً علمياً بارزاً في مجال الحوسبة الكمية، قد يمهّد مستقبلاً لتطوير حواسيب فائقة الصغر لا يتجاوز حجمها حجم قطعة نقدية، في تحول جذري للصورة التقليدية للحواسيب الكمية التي تتطلب اليوم بنى تحتية ضخمة وأنظمة تبريد معقدة.
وبحسب ما أوردته مجلة Science Advances العلمية أمس الخميس، فقد تمكن الفريق البحثي من تحقيق اختراق مهم في دراسة “الماغنونات” (Magnons)، وهي موجات مغناطيسية دقيقة يمكن استخدامها لحمل المعلومات الكمية داخل المواد الصلبة، ما يفتح الباب أمام تقليص حجم الأنظمة الكمية بشكل غير مسبوق.
وتُعد الماغنونات إحدى التقنيات الواعدة في عالم الحوسبة الكمية، إذ تعمل على نقل الإشارات داخل المواد الصلبة بدلاً من الفراغ أو الألياف الضوئية، وتمتاز بإمكانية تصغير أطوالها الموجية إلى مستويات نانوية، ما يجعلها مرشحة لبناء دوائر كمية شديدة الصغر قابلة للدمج ضمن الشرائح الإلكترونية.
ورغم هذه الإمكانات، واجه استخدام الماغنونات لعقود تحدياً جوهرياً تمثل في قصر عمرها الافتراضي، إذ لم تكن تدوم سوى مئات النانوثواني، ما حدّ من قدرتها على نقل أو تخزين المعلومات الكمية بشكل موثوق.
لكن الدراسة الجديدة نجحت في إطالة عمر هذه الموجات إلى نحو 18 ميكروثانية، أي ما يقارب 100 ضعف مقارنة بالتجارب السابقة، وهو ما اعتبره الباحثون تحولاً نوعياً يجعلها أكثر ملاءمة للتطبيقات الكمية المستقبلية.
ويُعزى هذا التقدم إلى اعتماد الباحثين على نوع خاص من الماغنونات قصيرة الموجة الأقل تأثراً بعيوب المواد، إضافة إلى تبريد عينات فائقة النقاء من مادة “غارنيت الإيتريوم والحديد” (YIG) إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض تقارب الصفر المطلق، ما أسهم في تقليل الاضطرابات الحرارية التي كانت تؤدي إلى تدميرها.
كما كشفت التجارب أن عمر الماغنونات يرتبط بدرجة نقاء المادة المستخدمة، أكثر من ارتباطه بالقيود الفيزيائية الأساسية، ما يشير إلى أن تحسين تقنيات التصنيع قد يرفع أداءها مستقبلاً دون الحاجة لاكتشافات جديدة فيزيائية.
ويرى الباحثون أن هذا التطور قد يتيح مستقبلاً استخدام الماغنونات كعناصر أساسية في الجيل القادم من الحواسيب الكمية، سواء في تخزين المعلومات أو في نقلها داخل الشرائح الإلكترونية، إضافة إلى إمكانية ربط “الكيوبتات” عبر ما يعرف بـ“الحافلة الكمية” (Quantum Bus).
ومع إمكانية تصغير هذه التقنيات إلى مقياس النانومتر، يطرح الباحثون تصوراً مستقبلياً لحواسيب كمية فائقة الصغر قد لا تتجاوز حجم قطعة نقدية، في حين تبقى هذه الرؤية ضمن نطاق البحث العلمي بعيداً عن التطبيقات التجارية حتى الآن.