دمشق-سانا
”أطمح أن أجعل من سانا وكالة تضاهي الوكالات الكبرى”.. رؤية اختصر بها مدير الوكالة العربية السورية للأنباء زياد المحاميد ملامح المرحلة الجديدة التي تدخلها الوكالة، مرحلة لا تقتصر على تطوير الأدوات وأساليب العمل، بل تمتد إلى إعادة صياغة الأداء التحريري، وتوسيع نطاق التغطية، وتعزيز الحضور في الملفات الإقليمية والدولية.
ففي عالم تتسارع فيه صناعة الأخبار وتتغير فيه أدوات إنتاج المعرفة، لم يعد بقاء المؤسسات الإعلامية مرتبطاً بتاريخها فقط، بل بقدرتها على التطور والتجدد ومواكبة التحولات المتسارعة، ومن هذا المنطلق، تخوض سانا مرحلة تحديث شاملة تستند إلى رؤية جديدة تهدف إلى بناء وكالة إخبارية سورية أكثر قدرة على المنافسة في المشهد الإعلامي العالمي.
ومنذ انطلاقة المرحلة الجديدة في آب الماضي، وضعت الوكالة خطة لإعادة بناء خدماتها الإخبارية، تقوم على تطوير المحتوى، وزيادة الإنتاج، وتوسيع التغطية المحلية والدولية، بما يرسخ حضورها كوكالة تقدم الخبر “بدقة ومسؤولية”، وهو الشعار الذي تبنته في انطلاقتها الجديدة.
إرث من العزلة وتحديات التحول
دخلت سانا المرحلة الجديدة بعد سنوات من العزلة التي انعكست على حضورها الخارجي وعلى أدواتها المهنية والتقنية، ما جعل عملية إعادة البناء تشمل البنية التحتية، وبيئة العمل، وأساليب الإنتاج التحريري، بما يتناسب مع المتطلبات التي يشهدها قطاع الإعلام عالمياً.

وأشارت صحيفة الغارديان البريطانية في تقرير لها العام الماضي إلى أن الوكالة واجهت عند بدء مرحلة التحول تحديات كبيرة، بينها قدم بعض التجهيزات والحاجة إلى إعادة تأهيل الكوادر وتطوير بيئة العمل، في إطار الانتقال نحو نموذج إعلامي أكثر مهنية وقدرة على مواكبة المؤسسات الإخبارية الدولية.
وبمناسبة الذكرى الأولى لانطلاقة سانا التي تصادف اليوم 20 آب، يوضح المحاميد أن أبرز التحديات التي واجهت الوكالة خلال المرحلة الأولى تمثلت في تهالك وضعف البنية التحتية اللوجستية والتقنية، بما في ذلك شبكات الاتصال والإنترنت، وأجهزة الحاسوب والمعدات الإعلامية والبرمجيات، إضافة إلى العقبات المرتبطة ببيئة العمل وآليات الإنتاج الإعلامي.
ويؤكد المدير العام لـ سانا أن الوكالة تمكنت خلال العام الماضي من تجاوز جزء كبير من هذه الصعوبات، إلى جانب رفدها بكوادر بشرية قادرة على التعامل مع متطلبات العمل والظروف التقنية الطارئة، ما ساهم في وضع سانا على مسار جديد من الإنتاج الإعلامي، وزيادة حجم تقديم خدمات الأخبار والصور وتوسيع نطاق المحتوى الذي تنتجه.
ولم تقتصر آثار المرحلة السابقة، إبان النظام البائد، على الجانب التقني فقط، بل امتدت إلى طبيعة الخطاب الإعلامي وآليات إنتاج الأخبار، ما جعل إعادة بناء الثقة وتطوير الأداء المهني من أبرز أولويات المرحلة الجديدة.
إعادة تعريف الدور الإعلامي
ويوضح المحاميد أن سانا وضعت نفسها على بداية طريق التطور باتجاه الوكالات الإقليمية المحترفة، مشيراً إلى أن ما تحقق خلال العام الأول يمثل نحو 30 إلى 35 بالمئة من خطة التطوير، على أن تستكمل المراحل اللاحقة خلال السنوات المقبلة.
ويؤكد أن الهدف هو استكمال بناء سانا كخدمة إخبارية موجهة للجمهور ووسائل الإعلام، تقوم على تقديم الأخبار وفق معايير الدقة والمسؤولية، وتعزيز حضورها كمصدر موثوق للمعلومات.
ويشير المحاميد إلى أن المرحلة المقبلة ستركز على تطوير المحتوى، وزيادة العلاقات الدولية، وافتتاح مكاتب إقليمية في عدد من العواصم العربية والأوروبية والآسيوية، بما يعزز حضور الوكالة في المحافل الدولية، ويمكنها من نقل الصورة الصحيحة عن سوريا إلى العالم.
التغطية الدولية.. اتساع في الملفات وتطور في المعالجة
لم تقتصر إعادة هيكلة وكالة سانا على تطوير الأدوات التقنية، بل امتدت إلى إعادة بناء حضورها في المشهد الدولي، عبر توسيع دائرة التغطية لتشمل ملفات وقضايا دولية متعددة، واعتماد سياسة تحريرية أكثر انفتاحاً وتوازناً في التعامل مع الأحداث العالمية.
وخلال المرحلة الجديدة، شهد القسم الدولي في الوكالة توسعاً ملحوظاً في طبيعة الملفات التي يتابعها، سواء على مستوى القضايا السياسية والدبلوماسية أو الأزمات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية، مع التركيز على تقديم الأحداث من زوايا متعددة، وعدم الاكتفاء بنقل المواقف والتصريحات، بل إنتاج تقارير نوعية ترصد خلفيات القضايا وتداعياتها.

ويشير المحاميد إلى أن الوكالة استطاعت تحويل عمل الأقسام الخارجية من تلقي الأخبار فقط إلى الانفتاح على التغطيات الدولية وإنتاج مواد خاصة حول القضايا العالمية، لافتاً إلى أن تغطية الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية شكلت منعطفاً جديداً في عمل الوكالة، من خلال متابعة مختلف أبعادها السياسية والأمنية والاقتصادية عبر تغطيات إخبارية موسعة وتقارير شاملة تناولت انعكاساتها الإقليمية والدولية.
كما توسعت قائمة الملفات التي يتابعها القسم الدولي لتشمل أبرز القضايا العالمية الراهنة، ومنها أمن الخليج والملاحة البحرية، والبحر الأحمر، وبحر الصين الجنوبي، والعلاقات الأمريكية الروسية والصينية، وحلف شمال الأطلسي، والملف النووي الإيراني، والقضية الفلسطينية، والساحل الإفريقي، إضافة إلى نشاط الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والتكتلات الاقتصادية العالمية مثل مجموعة السبع ومجموعة العشرين ومجموعة بريكس.
وتواكب هذه التغطيات ترجمة عدد من المواد إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والتركية والإسبانية والكردية، بما يعزز انتشار المحتوى السوري ووصوله إلى جمهور أوسع خارجياً.
لتعزيز حضورها الخارجي .. توجه لافتتاح مكاتب إقليمية لـ”سانا”

ويكشف المحاميد عن توجه الوكالة لتعزيز حضورها الخارجي عبر افتتاح مكاتب إقليمية إعلامية في عدد من العواصم الأوروبية والعربية والآسيوية، بما يسهم في توسيع شبكة التغطية الدولية ونقل صورة سوريا إلى الخارج.
ولا تقتصر رؤية الوكالة للتغطية على متابعة الأحداث العالمية، بل تشمل أيضاً تعزيز التواصل مع السوريين في الخارج وربطهم بالوطن الأم، من خلال نقل أخبار الجاليات السورية في بلدان الاغتراب، وتسليط الضوء على نجاحاتهم وقضاياهم واحتياجاتهم، بما يعزز حضور السوريين في الخارج ضمن المشهد الإعلامي الوطني.
أرقام تعكس التحول في الحضور الدولي
ويظهر اتساع نشاط القسم الدولي في حجم الإنتاج الإخباري خلال المرحلة الجديدة؛ إذ بلغ عدد الأخبار الدولية المنشورة خلال الفترة الممتدة من 20 آب إلى 20 أيلول من العام الماضي، أثناء إعلان سانا انطلاقتها الجديدة، نحو 456 خبراً دولياً، في حين ارتفع العدد خلال شهر تموز الماضي إلى 1342 خبراً، أي بزيادة بلغت نحو 886 خبراً مقارنة بعدد الأخبار المنشورة خلال فترة الانطلاقة الأولى.
ولا تعكس هذه الأرقام ارتفاع حجم الإنتاج فقط، بل تشير إلى تطور في طبيعة العمل التحريري، مع اعتماد سياسة أكثر انفتاحاً في متابعة الأحداث العالمية، وتوسيع قاعدة المصادر والملفات، وإنتاج تقارير نوعية وتحليلات خاصة تتناول القضايا الدولية بمقاربات أكثر شمولاً.
وانعكس هذا التطور على تفاعل الجمهور مع المحتوى الدولي للوكالة، حيث بات قسم الأخبار الدولية ضمن المراتب الأولى من حيث المشاهدات على موقع سانا، مقارنة بما كان عليه سابقاً، ما يعكس زيادة اهتمام المتابعين بهذا النوع من المحتوى، والثقة المتنامية بالمعالجة الجديدة للملفات الدولية.
من التحول إلى التمكين
يشكل التغيير الذي تشهده سانا جزءاً من مسار إعادة بناء المؤسسات الإعلامية، والانتقال من نمط تقليدي في العمل الصحفي إلى نموذج يعتمد التطوير التقني والمهني والانفتاح على التجارب الدولية.
وتشمل خطط المرحلة المقبلة إدخال خطوط إنتاج جديدة في العمل الإعلامي، من بينها تطوير المحتوى الرقمي، وتعزيز الصحافة الاستقصائية، وإنشاء مسارات متخصصة لمكافحة التضليل الإعلامي والشائعات، إلى جانب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في دعم عمليات الإنتاج الصحفي.
كما تعمل الوكالة على استكمال تطوير بنيتها التقنية واللوجستية، وتعزيز شبكة مراسليها داخل سوريا وخارجها، بما يرفع قدرتها على مواكبة التطورات المتسارعة في صناعة الإعلام، وتقديم خدمات إخبارية أكثر تنوعاً وشمولاً.
ويؤكد مسار العام الأول من العمل أن “سانا” وضعت نفسها على بداية طريق طويل نحو بناء مؤسسة إخبارية أكثر حضوراً وتأثيراً، تسعى إلى الاقتراب من معايير وكالات الأنباء الإقليمية والدولية، وتقديم الخبر بدقة ومسؤولية.