دمشق-سانا
في ظل الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية، تواجه الأسر السورية تحدياً يومياً في تأمين احتياجاتها، وسط فجوة متزايدة بين الدخل والإنفاق، ما دفعها إلى اعتماد استراتيجيات معيشية جديدة تقوم على ترشيد الاستهلاك، وتعدد مصادر الدخل، والتكيف مع واقع اقتصادي معقد.
وخلال جولة لـ سانا في أسواق دمشق، أكد عدد من المواطنين أنهم يتجهون نحو شراء الكميات الضرورية فقط، والبحث عن بدائل أقل تكلفة، إضافة إلى الاستفادة من العروض والمهرجانات التسويقية التي تطرح منتجات بأسعار مخفضة نسبياً.
قراءة اقتصادية للواقع
الخبير الاقتصادي زكوان قريط أوضح في تصريح لـ سانا أن واقع المعيشة في سوريا تجاوز مرحلة إدارة الميزانية إلى مرحلة التكيف للبقاء، مشيراً إلى أن الأسرة تحتاج إلى أكثر من 7 ملايين ليرة شهرياً لتأمين الحد الأدنى من المعيشة، مقابل دخل لا يغطي سوى جزء بسيط من هذه التكاليف.

وبيّن قريط أن هذا الواقع خلق ما يعرف بـ “اقتصاد الكفاف”، حيث يقتصر الإنفاق على الضروريات فقط، مع انعدام مرونة الطلب، أي أن الأسر لم تعد قادرة على تقليل استهلاكها أكثر من ذلك، مشيراً إلى أن الأسر باتت تعتمد على مزيج من مصادر الدخل، منها الوظائف الإضافية بعد الدوام والحوالات المالية من الخارج والعمل الحر عبر الإنترنت.
وأكد قريط أن الحوالات أصبحت “صمام الأمان” الذي يحافظ على استمرار الحركة الاقتصادية داخل الأسواق المحلية.
اختلالات اقتصادية عميقة
وحذر قريط من ظاهرة “تآكل رأس المال البشري”، نتيجة اضطرار الكفاءات للعمل في مهن إضافية غير تخصصية لتأمين دخلها.
بدوره، أشار الباحث الاجتماعي مصعب محمد الشيخ إلى أن الأسر باتت تستغني عن العديد من الاحتياجات الأساسية مثل اللحوم، ما يعكس ضغطاً اقتصادياً كبيراً، مؤكداً أن هذا الواقع ينعكس أيضاً على الجانب النفسي، حيث تعيش الأسر حالة من القلق المستمر نتيجة تقلب الأسعار وارتفاعها، وخاصة مع ارتباطها بسعر الصرف.
التكافل كشبكة أمان
وأوضح الشيخ أنه في المقابل، برزت أشكال من التكافل الاجتماعي، مثل دعم الجمعيات الخيرية للحالات الإنسانية، وتبادل المواد بين الجيران، والاعتماد على الشراء بالدين كوسيلة لتأجيل الدفع.

أم محمد، وهي موظفة في القطاع العام، تقول في تصريح لـ سانا: “نقسم الراتب منذ بداية الشهر بين الغذاء والفواتير والدواء، ولم يعد هناك أي مجال للرفاهيات”.
وأشارت أم محمد إلى أن الأسرة تعتمد على إعداد قائمة أسبوعية للمشتريات، وتقليل الهدر الغذائي، والاستغناء عن الأطعمة الجاهزة، في محاولة لضبط النفقات ضمن الحدود الدنيا.
تنويع مصادر الدخل
بدوره، يوضح محمود علي وهو موظف أن راتب الوظيفة لم يعد كافياً، قائلاً: أعمل بعد الدوام في مهنة إضافية لتغطية المصاريف، وهذا أصبح واقعاً لدى الكثير من الأسر.
وأكد علي أن الاعتماد على أكثر من مصدر دخل بات ضرورة، سواء عبر العمل الإضافي أو المشاريع الصغيرة أو حتى العمل عبر الإنترنت للحصول على دخل بالعملات الأجنبية.

من جهتها، قالت سعاد حسين: إنها بدأت مشروعاً منزلياً لإعداد المأكولات وأكدت أن الوارد منه بسيط، لكنه يساعد في تغطية جزء من المصاريف اليومية.
ولفتت حسين إلى أن العديد من النساء اتجهن إلى الأعمال المنزلية والحرف اليدوية، مستفيدات من وسائل التواصل الاجتماعي لتسويق منتجاتهن، في ظل محدودية فرص العمل التقليدية.
ورغم صعوبة الواقع المعيشي، تعكس أساليب التكيف التي تعتمدها الأسر السورية قدرة كبيرة على الصمود، حيث تحولت إدارة الدخل إلى عملية يومية دقيقة ضمن ما يمكن تسميته “اقتصاد التكيف تحت الضغط”، ما يبرز أهمية استمرار الجهود لتحسين مستوى الدخل، وضبط الأسواق، ودعم الإنتاج المحلي، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي واجتماعي مستدام.