عواصم-سانا
في الوقت الذي تتحدث فيه الإدارة الأمريكية عن اقتراب “نهاية الحرب” مع إيران خلال أسابيع قليلة، تتسارع في المقابل مؤشرات التحشيد العسكري الأمريكي والبريطاني في المنطقة، بما في ذلك إرسال آلاف الجنود، ومقاتلات مخصّصة لدعم العمليات البرية، إضافة إلى تعزيز الوجود البحري عبر نشر حاملات طائرات جديدة.
هذا التصعيد يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل تمثل هذه التحركات مجرد ضغط تفاوضي لانتزاع تنازلات من طهران، أم أنها تمهيد لعمليات ميدانية أوسع قد تصل إلى تدخل بري محدود؟
وتزامنت هذه التطورات مع تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن وقف إطلاق النار مرتبط بإعادة فتح مضيق هرمز، مؤكداً أن العمليات العسكرية ستستمر حتى يتحقق ذلك، في إشارة واضحة إلى أن السيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية باتت محوراً أساسياً في مسار الحرب.
تحشيد متسارع
ورغم حديث ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو عن إمكانية إنهاء الحرب خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، تشير المعطيات الميدانية إلى تسارع غير مسبوق في وتيرة التعزيزات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط ومحيطه.
وتشمل هذه التعزيزات:
إرسال آلاف الجنود من الفرقة 82 المحمولة جواً.
نشر وحدات إضافية من قوات المارينز.
تحريك ثلاث مجموعات لحاملات طائرات أمريكية إلى المنطقة.
تعزيز الانتشار البحري إلى نحو 12 قطعة قتالية.
نقل مقاتلات F-35 وF-22 وF-16 إلى قواعد متقدمة.
نشر طائرات الإنذار المبكر E-3 وطائرات الاستطلاع الاستراتيجي U-2.
ويُعد هذا المستوى من الحشد العسكري مؤشراً على الاستعداد لخيارات عملياتية متعددة، تتجاوز نطاق الضربات الجوية التقليدية.
ماذا يعني وصول طائرات A-10؟
ومن أبرز المؤشرات العسكرية اللافتة وصول 12 طائرة هجومية أمريكية من طراز A-10 Thunderbolt II إلى قاعدة لاكنهيث في بريطانيا، وهي طائرات متخصصة في دعم القوات البرية واستهداف الدروع والتحصينات.
تاريخياً، استخدمت هذه الطائرات بكثافة خلال حرب الخليج عام 1991، ما يجعل نشرها في المرحلة الحالية مؤشراً على احتمال التحضير لعمليات ميدانية مباشرة أو دعم قوات برية محتملة في مسرح العمليات.
ووفق ما تشير إليه تقديرات سياسية وعسكرية، فإن نشر هذا النوع من الطائرات لا يتم عادة إلا في سياق التحضير لعمليات برية أو لتوفير غطاء جوي قريب لقوات خاصة تعمل داخل العمق.
عقدة مضيق هرمز
تصريحات ترامب اليوم الأربعاء حول ربط وقف إطلاق النار بإعادة فتح مضيق هرمز، تكشف تحول هذا الممر البحري الحيوي إلى محور أساسي في الاستراتيجية الأمريكية الحالية.
ويُعد المضيق أحد أهم الممرات النفطية في العالم، ما يجعل السيطرة عليه أو تأمينه هدفاً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً في آن واحد، وخصوصاً في ظل التهديدات الإيرانية المتكررة باستهداف خطوط نقل الطاقة البديلة في الخليج.
كما تشير تقارير إلى أن جزءاً من التحشيد العسكري الأمريكي يهدف إلى تأمين القدرة على التدخل السريع في الجزر والممرات البحرية القريبة من المضيق إذا فشل المسار الدبلوماسي.
تردد سياسي وتحركات ميدانية
في المقابل، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده لن تنجر إلى الحرب، مؤكداً أن لندن تركز على تعزيز التعاون الأمني مع أوروبا في مواجهة تداعيات الأزمة.
غير أن هذه التصريحات تزامنت مع تحركات عسكرية ودبلوماسية بريطانية مرتبطة بجهود فتح مضيق هرمز، إضافة إلى مشاركة لندن في اجتماعات تضم نحو 35 دولة لبحث الإجراءات الممكنة لضمان أمن الملاحة في المنطقة.
ويعكس هذا التباين بين الخطاب السياسي والتحركات الميدانية محاولة غربية للحفاظ على هامش المناورة بين الضغط العسكري، وتجنب الانخراط المباشر في مواجهة واسعة النطاق.
مهلة تفاوضية أم غطاء لعمليات أوسع؟
بالتوازي مع التحشيد العسكري، تواصل واشنطن الحديث عن خطة من 15 بنداً لوقف الحرب، وعن وجود اتصالات غير مباشرة مع طهران عبر وسطاء، ما يعكس استمرار المسار الدبلوماسي رغم التصعيد الميداني.
ويرى مراقبون أن الجمع بين المهلة التفاوضية والتحشيد العسكري يهدف إلى رفع مستوى الضغط على إيران، وتحسين شروط التفاوض، وتعزيز القدرة على فرض واقع ميداني جديد، وإبقاء خيار العمليات البرية المحدودة مطروحاً وخصوصاً في ظل تقارير تشير إلى إعداد خطط للسيطرة على مواقع استراتيجية مرتبطة بتصدير النفط أو تأمين الممرات البحرية الحيوية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى مرحلة ضغط عسكري وسياسي قصوى تسبق محاولة فرض تسوية بشروط جديدة، أكثر من كونها مؤشراً حاسماً على اقتراب نهاية الحرب، إلا أن حجم التحشيد العسكري الأمريكي، وطبيعة القوات التي يجري نشرها، وتركيز العمليات حول مضيق هرمز، كلها عوامل تشير إلى أن مسار الأيام والأسابيع المقبلة سيحدد ما إذا كانت الحرب تتجه نحو تسوية سريعة أم نحو مرحلة أكثر اتساعاً وتعقيداً.