إسلام آباد-سانا
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقدم إسلام آباد إلى واجهة المشهد السياسي، مستضيفة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً، يهدف إلى وقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية التي تدخل غداً شهرها الثاني.
وتعكس التحركات الباكستانية، التي بلغت ذروتها باجتماع رباعي، ضم وزراء خارجية باكستان وتركيا ومصر والسعودية، محاولة جادة لصياغة مبادرة إقليمية لخفض التوتر، تجمع بين أدوات الدبلوماسية التقليدية وإجراءات بناء الثقة.
دبلوماسية الخطوط الخلفية
وتبدو باكستان وكأنها أعدّت قناة خلفية لتسهيل الاتصالات بين أطراف الصراع، إذ عقد وزير الخارجية محمد إسحاق دار سلسلة اجتماعات ثنائية مع نظرائه التركي والسعودي والمصري، تمهيداً للاجتماع الرباعي.
وأكد دار أن “الحوار والدبلوماسية وإجراءات بناء الثقة هي الطريق الوحيد إلى الأمام”، مشدداً في اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، على ضرورة خفض التصعيد لتحقيق سلام دائم.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن إسلام آباد نجحت في إقناع طهران بالسماح بمرور 20 ناقلة نفط عبر مضيق هرمز تحت العلم الباكستاني، بمعدل ناقلتين يومياً، كما بادرت إلى تعليق جزئي للحظر التجاري مع إيران لمدة ثلاثة أشهر، وتسهيل تصدير 12 سلعة غذائية إلى طهران، ومنها إلى دول آسيا الوسطى.
باكستان: قناة خلفية بين واشنطن وطهران
وبرزت باكستان كوسيط غير تقليدي، مستندة إلى علاقاتها الجيدة نسبياً مع كل من واشنطن وطهران، وسعيها لحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية.
وبحسب المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، نقلت إسلام آباد خطة أمريكية من 15 بنداً إلى إيران، بينما ردّت طهران بخمس نقاط، مع تأكيد الطرفين عدم وجود مفاوضات مباشرة.
ولم يقتصر الدور الباكستاني على نقل الرسائل، بل امتد إلى تنسيق “مفاوضات غير مباشرة”، بالتعاون مع دول الاجتماع الرباعي، عبر طرح حلول عملية مؤقتة مثل السماح بمرور ناقلات النفط وتسهيل النشاط التجاري.
وفي السياق ذاته، كشفت تقارير عن اتصالات أجراها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومبعوثين أمريكيين، إضافة إلى مسؤولين إيرانيين، ما يعكس انخراط المؤسسة العسكرية الباكستانية في جهود الوساطة إلى جانب الدبلوماسية.
ويستمد الدور الباكستاني زخمه من توازن دقيق في علاقاتها الدولية، فهي تحتفظ بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه ترتبط بحدود تمتد 900 كيلومتر مع إيران، ما يمنحها قدرة على التحرك بين الطرفين دون حساسيات حادة.
استثمار النفوذ.. وفرصة للدور الإقليمي
ورغم الأجواء الإيجابية الحذرة التي تحيط بهذه التحركات، تبقى التحديات كبيرة، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتعقيد الملفات المطروحة، من البرنامج النووي إلى الصواريخ الباليستية ودور إيران الإقليمي.
ومع ذلك، فإن ما تحقق حتى الآن من تفاهمات أولية في مضيق هرمز إلى استئناف جزئي للتبادل التجاري، يشير إلى تقدم ملموس قد يمهد لمبادرة أوسع تُطرح على أطراف النزاع.
ويأتي هذا الدور امتداداً لتاريخ طويل من الوساطات الباكستانية، من رعاية مفاوضات انسحاب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان عام 1988، وصولاً إلى دورها في تسهيل الاتصالات بين طالبان وواشنطن عام 2020، فيما تسعى إسلام آباد اليوم لاستعادة هذا الدور لتعزيز مكانتها الإقليمية وحماية مصالحها الاستراتيجية.