عواصم-سانا
بعد سبعة عشر يوماً على اشتعال الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لم تعد المنطقة تعيش مجرد جولة جديدة من التوتر، بل مرحلة إعادة رسم لموازين القوة، فالضربات المتبادلة تتسارع، والجبهات تتكاثر، فيما تحول مضيق هرمز وجزيرة خرج الإيرانية إلى ساحات اختبار لقدرة الأطراف على التحكم بمفاصل الطاقة والتجارة العالمية.
وخلال الساعات الماضية، تواصلت الضربات الجوية والصاروخية بين إسرائيل وإيران، فيما أعلنت واشنطن أنها تعمل على تشكيل تحالف دولي لتأمين مضيق هرمز، بالتوازي مع تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على قواعد ومصالح أمريكية في المنطقة.
وفي ظل هذا التصعيد، ارتفعت أسعار النفط متجاوزة 106 دولارات لخام برنت، بينما حذرت أطراف دولية من أن استمرار إغلاق أو تعطيل الملاحة في المضيق قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية.
وتشير التقديرات إلى أن الصراع يتجه نحو مرحلة استنزاف طويلة، في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة الاشتباك في عدد من الجبهات الإقليمية.
ضربات واسعة وصواريخ متبادلة
ميدانياً، أعلنت إسرائيل أنها شنت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية أكثر من 200 غارة على أهداف في غرب ووسط إيران، شملت مواقع عسكرية وبنية تحتية مرتبطة بالصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي.
وقدّرت وكالة هرانا الحقوقية الإيرانية المستقلة ومقرها الولايات المتحدة عدد القتلى في إيران بـ 1122 عسكرياً و1298 مدنياً منذ بدء الحرب، فيما تجاوز عدد المصابين 16 ألفاً.
وكشف الجيش الإسرائيلي أنه ينفذ موجة ضربات واسعة النطاق في طهران، مؤكداً استهداف ما وصفه بالبنية التحتية العسكرية الإيرانية.
وتشير التقديرات العسكرية الإسرائيلية إلى تدمير نحو:
100 بطارية دفاع جوي
120 راداراً عسكرياً
نحو 70% من منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية
في المقابل، أعلنت إيران أنها أطلقت منذ بداية الحرب نحو 700 صاروخ و3600 طائرة مسيّرة باتجاه أهداف أمريكية وإسرائيلية، موضحة أن عملياتها تأتي في إطار الرد على الهجمات التي تستهدف أراضيها.
كما أفادت وسائل إعلام بسقوط قتلى وجرحى في غارات أمريكية إسرائيلية على مناطق قرب مدينة أراك، إضافة إلى أضرار واسعة في المنشآت بينها 54 ألف وحدة سكنية بدرجات متفاوتة.
دول الخليج في مرمى الصواريخ والمسيرات الإيرانية
في منطقة الخليج العربي، أعلنت السعودية اعتراض وتدمير 64 طائرة مسيّرة معظمها في المنطقة الشرقية خلال الساعات الأخيرة، في واحدة من أكبر موجات الاعتداءات منذ بداية الحرب.
كما أعلنت الإمارات أن دفاعاتها الجوية تعاملت مع تهديد صاروخي، في حين جرى تعليق بعض الرحلات الجوية في مطار دبي الدولي مؤقتاً وتحويلها إلى مطار آل مكتوم بعد حادث استهداف بطائرة مسيّرة أدى إلى حريق قرب المطار قبل السيطرة عليه.
وفي أبوظبي، أعلنت السلطات مقتل شخص جراء سقوط صاروخ على مركبة مدنية.
وفي الكويت، أعلن الحرس الوطني إسقاط مسيرتين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.
غارات إسرائيلية متواصلة على لبنان
في لبنان، واصلت إسرائيل تنفيذ غارات جوية مكثفة على الضاحية الجنوبية لبيروت وعدد من بلدات الجنوب، بينها بنت جبيل والخيام وعيـتا الشعب وميفدون.
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل خمسة أشخاص في غارات إسرائيلية على بلدتي مجدل سالم وعيتيت.
في المقابل، أعلنت ميليشيا حزب الله، تنفيذ هجمات مدفعية وصاروخية على مواقع إسرائيلية، في وقت تشير تقديرات إسرائيلية إلى احتمال تنفيذ عملية برية في لبنان ضد ميليشيا الحزب.
وذكرت وزارة الصحة اللبنانية أن عدد القتلى بلغ حتى مساء الأحد 850 شخصاً والمصابين 2105.
العراق.. هجمات صاروخية على قواعد أمريكية
في العراق، تواصلت الهجمات التي تنفذها ميليشيات موالية لإيران ضد قواعد أمريكية، حيث أعلنت ما تسمى “المقاومة الإسلامية في العراق” تنفيذ 24 عملية خلال يوم واحد باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة مستهدفة قواعد أمريكية في العراق والمنطقة.
كما تعرض مطار بغداد الدولي ومحيطه لهجوم بخمسة صواريخ، ما أدى إلى إصابة عدد من عناصر الأمن والموظفين.
وأفادت مصادر أمنية أيضاً باستهداف معسكر الدعم اللوجستي قرب المطار، إضافة إلى قصف استهدف مقراً لميليشيا الحشد الشعبي في منطقة جرف الصخر بمحافظة بابل.
وفي الوقت نفسه، أعلنت الدفاعات الجوية العراقية التصدي لطائرات مسيّرة قرب السفارة الأمريكية في بغداد وقاعدة بلد الجوية.
هرمز.. الممر البحري في قلب المعركة
أصبح مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، محور الصراع الاستراتيجي في الحرب الحالية، حيث توقفت حركة الملاحة فيه بشكل شبه كامل خلال الأيام الماضية، في ظل مخاوف من الهجمات البحرية والألغام.
وأفادت الوكالة البحرية البريطانية بأن 20 سفينة تعرضت لهجمات منذ بداية الحرب في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان.
ويرى خبراء أن إعادة تشغيل الملاحة في المضيق قد تتطلب أسابيع، نظراً لحجم المخاطر الأمنية.
ووفق تقديرات خبراء عسكريين، فإن مرافقة ثلاث ناقلات نفط أسبوعياً عبر المضيق قد تتطلب نحو 50 سفينة حربية لتأمينها.
جزيرة خرج.. عقدة النفط في الحرب
وتتصاعد الأهمية الاستراتيجية لجزيرة خرج الإيرانية الواقعة في الخليج العربي، التي تمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدرس خيار السيطرة على الجزيرة أو استهداف منشآتها النفطية بشكل مباشر، في خطوة قد توجه ضربة اقتصادية قاسية لإيران، لكن هذا السيناريو قد يتطلب نشر قوات أمريكية برية، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع الحرب بشكل كبير، وخصوصاً إذا ردت إيران باستهداف منشآت الطاقة في المنطقة.
روسيا تحذر من ضرب بوشهر
في تطور خطير، وجهت روسيا تحذيراً بأن أي استهداف مباشر لمحطة بوشهر النووية الإيرانية التي يعمل فيها مئات الخبراء الروس، قد يؤدي إلى كارثة إشعاعية إقليمية، مشيرة إلى أن المحطة النووية تخضع لإشراف دولي وتعمل بوقود روسي.
وكانت روسيا أجلت جزءاً من خبرائها من بوشهر لكنها أبقت المئات منهم في المحطة.
تحالف محتمل لتأمين هرمز
سياسياً، يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تشكيل تحالف دولي لتأمين مضيق هرمز وإعادة فتحه أمام الملاحة.
وقال ترامب: إن واشنطن تجري محادثات مع سبع دول للمشاركة في حماية المضيق، داعياً الصين وفرنسا وبريطانيا واليابان وكوريا الجنوبية إلى إرسال سفن حربية.
غير أن ردود الدول جاءت حذرة:
اليابان أكدت أنها لا تخطط حالياً لإرسال قوات بحرية
بريطانيا قالت إنها تدرس الخيارات
الصين دعت إلى وقف فوري للحرب
كوريا الجنوبية اكتفت بالتشاور مع واشنطن دون التزام
كما حذر ترامب من أن مستقبل حلف شمال الأطلسي سيكون “سيئاً للغاية” إذا لم يساعد الحلف في تأمين المضيق.
في المقابل، يمارس قادة أوروبيون ضغوطاً على واشنطن لمعرفة الهدف النهائي للحرب، وسط مخاوف من الانزلاق إلى مواجهة طويلة قد تؤدي إلى أزمة طاقة عالمية.
أزمة الطاقة العالمية
وارتفعت أسعار النفط بشكل حاد جراء تعطل الملاحة في مضيق هرمز، حيث سجل خام برنت نحو 106 دولارات للبرميل، فيما تجاوز الخام الأمريكي 101 دولار، وسط تحذيرات من أن استمرار الأزمة قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
كما يبحث الاتحاد الأوروبي إجراءات طارئة لاحتواء ارتفاع تكاليف الطاقة، تشمل دعم الصناعات وخفض الضرائب، واستخدام آليات سوق الكربون لتأمين الإمدادات.
ومع استمرار الضربات العسكرية وتوسع رقعة المواجهة، تبدو المنطقة أمام صراع مفتوح لا يقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل يمتد أيضاً إلى السيطرة على طرق الطاقة والممرات البحرية التي تشكل شريان الاقتصاد العالمي.