عواصم-سانا
تحت وطأة التصعيد العسكري المتواصل في المنطقة، تتزايد المؤشرات على أن إيران تسعى إلى تحويل المواجهة الصاروخية الحالية إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، مستفيدة من الفارق الكبير في التكلفة بين صواريخها الهجومية منخفضة الثمن ومنظومات الاعتراض الباهظة التي يستخدمها خصومها.
وخلال الأيام الأولى من المواجهات، أطلقت إيران مئات الصواريخ الباليستية ونحو ألف طائرة مسيّرة باتجاه إسرائيل وعدد من دول المنطقة.
وفي مواجهة هذا السيل من الهجمات، كثفت الولايات المتحدة وحلفاؤها تشغيل منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، وفي مقدمتها ثاد وباتريوت وآرو‑3.
وأكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دان كاين، أن هذه الأنظمة “اعترضت مئات الصواريخ الباليستية التي كانت تستهدف القوات الأمريكية وشركاءها والاستقرار الإقليمي”.
فارق التكلفة
ويرى خبراء عسكريون أن إيران تحاول استغلال الفارق الكبير في التكلفة والإنتاج بين السلاح الهجومي والدفاعي، ففي حين تبلغ كلفة الصاروخ الاعتراضي من طراز PAC-3 المستخدم في منظومة باتريوت نحو أربعة ملايين دولار، تتراوح كلفة صاروخ منظومة ثاد بين 10 و15 مليون دولار تقريباً.
أما صواريخ الدفاع البحري من طراز SM-3 المستخدمة على المدمرات الأمريكية، فقد تصل كلفة الواحد منها إلى أكثر من 12 مليون دولار.
في المقابل، يمكن إنتاج بعض الطائرات المسيّرة الهجومية أو الصواريخ قصيرة المدى بتكلفة أقل بكثير، ما يجعل محاولة استنزاف الدفاعات الجوية خياراً تسعى إيران إلى توظيفه في المواجهة.
ففي كثير من الحالات، قد يتم اعتراض طائرة مسيّرة هجومية لا تتجاوز كلفتها بضع عشرات آلاف الدولارات بصاروخ اعتراضي قد تصل كلفته إلى نحو أربعة ملايين دولار في منظومة باتريوت، أو أكثر من عشرة ملايين دولار في منظومة ثاد، ما يبرز الفارق الكبير في كلفة الهجوم والدفاع.
كما أن اعتراض صاروخ باليستي واحد يتطلب في العادة إطلاق صاروخين اعتراضيين على الأقل لضمان تدميره، ما يضاعف استهلاك الذخائر الدفاعية في حال استمرار الهجمات لفترات طويلة.
إنتاج محدود للصواريخ الاعتراضية
وتشير تقديرات صناعية إلى أن إنتاج الصواريخ الاعتراضية المتطورة يبقى محدوداً نسبياً، إذ يتم إنتاج نحو 96 صاروخاً سنوياً لمنظومة ثاد، إضافة إلى ما يقارب 600 صاروخ من طراز PAC-3 MSE المخصص لمنظومة باتريوت.
وخلال حرب الـ 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في حزيران الماضي، تم استخدام ما يقارب 150 صاروخاً من منظومة ثاد ونحو 80 صاروخاً من طراز SM-3 أطلقت من مدمرات بحرية لاعتراض الصواريخ الباليستية.
ويرى خبراء أن هذه الأرقام تفسر سعي الولايات المتحدة وحلفائها إلى استهداف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية مباشرة بدلاً من الاكتفاء باعتراضها في الجو.
دول الخليج تؤكد كفاية مخزونها الدفاعي
ورغم هذه المعطيات، أكدت دول خليجية أن قدراتها الدفاعية لا تزال قادرة على مواجهة أي تصعيد.
فقد أعلنت قطر الأسبوع الماضي أن مخزونها من صواريخ باتريوت لم يُستنفد وأن احتياطياتها الدفاعية كافية للتعامل مع أي تهديدات محتملة، في ظل استمرار التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة.
كما تشير تقارير عسكرية إلى أن دول الخليج عززت خلال السنوات الماضية منظومات الدفاع الجوي لديها عبر شبكات متعددة الطبقات تشمل الرادارات بعيدة المدى وأنظمة الاعتراض المختلفة، إضافة إلى التنسيق العملياتي مع القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
مخزون إيران تحت الضغط
في المقابل، يقدّر خبراء أن إيران تمتلك نحو ألفي صاروخ باليستي قادر على بلوغ أهداف بعيدة، إضافة إلى أعداد كبيرة من الصواريخ قصيرة المدى مثل شهاب-2 وفاتح-313.
غير أن هذه القدرات تواجه ضغوطاً متزايدة مع تكثيف عمليات تعقب منصات الإطلاق المتحركة، التي تعد هدفاً رئيسياً للعمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
تحويل الضعف إلى حرب استنزاف
ويشير مراقبون إلى أن إيران تحاول من خلال هذا الأسلوب تحويل محدودية قدراتها التقليدية إلى حرب استنزاف اقتصادية وعسكرية، عبر إرغام خصومها على استخدام صواريخ دفاعية باهظة التكلفة لاعتراض هجمات أقل تكلفة.
إلا أن المسؤولين العسكريين الأمريكيين يؤكدون أن منظومات الدفاع الجوي المنتشرة في المنطقة لا تزال قادرة على التعامل مع التهديدات، وأن المخزون الاعتراضي المتوفر لدى الولايات المتحدة وحلفائها يسمح بمواصلة عمليات الدفاع لفترات طويلة.
وفي ظل هذه المعادلة، تتحول المواجهة الصاروخية تدريجياً إلى اختبار للقدرة على الصمود اللوجستي والاقتصادي بقدر ما هي مواجهة عسكرية مباشرة.