عواصم-سانا
تدخل الحرب بين روسيا وأوكرانيا اليوم الثلاثاء عامها الخامس، وسط تصاعد الخسائر البشرية والمادية للطرفين، في وقت لا تزال المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة تتراوح في مكانها، عاجزة عن تحقيق أي اختراق، نتيجة تصلّب المواقف، واستمرار العمليات العسكرية على الجبهات.
الحرب التي تعتبر الأطول في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، خلّفت تداعيات واسعة تجاوزت حدود البلدين لتطال الأمن الإقليمي والدولي، وتعيد رسم ملامح النظام العالمي.
1.8 مليون ما بين قتيل وجريح ومفقود
نقلت وكالة أسوشييتد برس عن تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) الأمريكي، قوله: إن الحرب خلّفت 1.8 مليون من العسكريين الروس، والأوكرانيين بين قتيل وجريح ومفقود.
وأضاف التقرير: إن روسيا تكبدت 1.2 مليون ضحية، بما في ذلك ما يصل إلى 325 ألف قتيل من القوات العسكرية، وهو “أكبر عدد من الجنود القتلى لقوى كبرى في أي صراع منذ الحرب العالمية الثانية، فيما تكبدت أوكرانيا بين 500 ألف، و 600 ألف ضحية، بينهم أكثر من 140 ألف جندي قتلوا في الحرب.
تداعيات تتجاوز الخسائر البشرية
ورغم تجنب موسكو وكييف الكشف عن أرقام دقيقة لخسائرهما، إلا أن تداعيات الحرب على أوكرانيا تتجاوز الجانب البشري، بعدما سيطرت القوات الروسية على مساحات واسعة في الجنوب والشرق، ما أدى إلى تشريد ملايين السكان، ودمار كبير في البنى التحتية ومحطات الطاقة، كما أسهمت الحرب في تفاقم أزمات الغذاء عالمياً، وفرض عقوبات غربية غير مسبوقة على موسكو، إلى جانب تغييرات جوهرية في سياسات أوروبا.
ضحايا مدنيون ونزوح واسع
ووفقاً لبعثة المراقبة التابعة للأمم المتحدة، قتل 15 ألف مدني، بينهم 763 طفلاً في أوكرانيا منذ بداية الحرب، وإن كان يعتقد أن الرقم أكبر بكثير، كما أصيب 40.600 مدنياً، خلال نفس الفترة.
ويبقى الرقم الأعلى هو عدد الأوكرانيين الذين تركوا بلادهم منذ بداية الحرب، والذي وصل إلى 5.9 ملايين شخص، وجد نحو 5.3 ملايين منهم، ملاذاً في أوروبا، وفقاً لتقرير صدر هذا الشهر عن مكتب الأمم المتحدة في أوكرانيا، فيما نزح داخلياً حوالي 3.7 ملايين أوكراني، أُجبروا على مغادرة منازلهم إلى أماكن أخرى داخل البلاد، وكل ذلك من أصل 40 مليون نسمة، هو عدد سكان أوكرانيا قبل الحرب.
خسائر باهظة ونتائج محدودة
وبين مركز (CSIS) في تقريره أنه بعد أربع سنوات من الحرب، بلغت نسبة الأراضي الاوكرانية التي سيطرت عليها روسيا 19.4%، منها 0.79 % فقط، خلال العام الماضي، في حرب الاستنزاف المرهقة، ما يؤكد التقدم الضئيل الذي أحرزته القوات الروسية على الرغم من التكاليف الباهظة، عسكرياً واقتصادياً.
كما أن أوكرانيا بدأت تخسر الكثير من الدعم الذي كانت تتلقاه في بداية الحرب، حيث بلغت النسبة المئوية للانخفاض في المساعدات العسكرية الأجنبية لكييف في العام الماضي مقارنة بالمتوسط السنوي بين عامي 2022 و2024، نحو 13 % وفقاً لمعهد كيل الألماني، الذي يتتبع المساعدات المقدمة لكييف.
وأوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إرسال الأسلحة الأمريكية الممولة من الولايات المتحدة إلى أوكرانيا، بعد توليه منصبه، قبل ما يزيد قليلاً عن عام، فيما تسعى الدول الأوروبية جاهدة لتعويض هذا النقص، وزادت من مساعداتها العسكرية العام الماضي بنسبة 67 %، مقارنة بالفترة من 2022 إلى 2024.
فاتورة الإعمار تتجاوز 580 مليار دولار
كشف تقرير مشترك لأوكرانيا، والبنك الدولي، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة أن تكلفة إعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب تقدر بنحو 588 مليار دولار، على مدى العقد المقبل.
وأشار التقرير إلى أن تكلفة إعادة الإعمار لا تزال ترتفع، وباتت تقدر بـ 587,7 مليار دولار خلال عشرة أعوام، أي ما يساوي ثلاثة أضعاف إجمالي الناتج المحلي الأوكراني للعام 2025، موضحاً أن القطاعات الأكثر تضرراً في أوكرانيا هي السكن والنقل والطاقة، وأن التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية لهذه الحرب ستستمر لأجيال.
الأمم المتحدة: المدنيون يدفعون الثمن
قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في بيان: إن هذه الحرب المدمرة تشكل وصمة في الوعي الجماعي، ولا تزال تمثل تهديداً للسلام والأمن الإقليميين والدوليين، مضيفاً: “كلما طالت الحرب، ازدادت فتكاً، والمدنيون هم من يتحملون وطأة هذا الصراع، حيث شهد عام 2025 أكبر عدد من القتلى المدنيين في أوكرانيا، وهذا أمر غير مقبول بتاتاً”.
وجدد غوتيريش دعوته إلى وقف فوري وكامل وغير مشروط لإطلاق النار كخطوة أولى نحو سلام عادل، يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي، والقرارات ذات الصلة، مع احترام استقلال أوكرانيا، وسيادتها، ووحدة أراضيها، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة تظل على أهبة الاستعداد للمساهمة في جميع الجهود المبذولة لتحقيق هذه الغاية.
جولة جنيف المقبلة.. تفاؤل حذر
تستعد جنيف لاستضافة جولة جديدة من المفاوضات الأسبوع المقبل، وسط تفاؤل حذر أبداه المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، الذي تحدث عن احتمال عقد محادثات خلال أسابيع تمهّد لقمة تجمع الرئيسين الروسي، والأوكراني فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي، وربما لقاء ثلاثي يضم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لكن رغم هذه الإشارات، لا تزال عقدة الأراضي أبرز العقبات، إذ ترفض كييف الاعتراف بسيادة موسكو على القرم، والأقاليم الأربعة “لوغانسك ودونيتسك وزابوروجيه وخيرسون”، وتتمسك بالحصول على ضمانات أمنية مقابل السلام الذي ستقبل به، فيما تصر روسيا على مطالبها المتعلقة بالاعتراف بسيطرتها على المناطق التي استولت عليها، وتعزيز نفوذها في دونباس.