بروكسل-سانا
للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، تجد أوروبا نفسها أمام سؤال وجودي: هل يمكنها النجاة وحدها؟
فالمظلّة الأمريكية التي وفّرت الأمان لعقود باتت تهتز بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، والقلق الذي كان يُدار بصمت أصبح اليوم مادة نقاش معلن، مع صعود خطاب أمريكي يطالب الحلفاء بدفع ثمن أمنهم.
حين خرج القلق إلى العلن
في مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام، لم يكن النقاش تقنياً حول نسب الإنفاق فقط، بل سياسياً بامتياز: كيف يمكن لأوروبا أن تصبح فاعلاً أمنياً مستقلاً من دون أن تُضعف حلفها الأطلسي؟
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تحدثت عن مرحلة جديدة تجاوزت فيها أوروبا “نقطة اللاعودة”، في إشارة واضحة إلى أن الاعتماد الكامل على الشريك الأمريكي لم يعد خياراً مضموناً.
في المقابل، حاول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تهدئة المخاوف، مؤكداً استمرار الشراكة عبر الأطلسي، لكن المزاج الأوروبي بدا أقل اطمئناناً وأكثر ميلاً إلى التحوّط.
من أوكرانيا إلى القطب الشمالي
الحرب الروسية الأوكرانية لم تُنهك طرفيها فقط، بل استنزفت أوروبا أيضاً، فدول شرق القارة ترى أن أي تراجع في الالتزام الأمريكي قد يُقرأ كنافذة اختبار جديدة.
في هذا السياق، ارتفعت الأصوات المطالِبة بتعزيز “الركيزة الأوروبية” داخل الناتو، بحيث تتحمل القارة حصة أكبر من عبء الدفاع.
المستشار الألماني فريدريش ميرتس تحدث عن “بداية مختلفة” في التفكير الأمني، سواء بقيت الولايات المتحدة منخرطة بالكامل أم خفّ حضورها.
حتى الملف النووي، الذي ظل لعقود حكراً على الترتيبات الأطلسية، عاد إلى الطاولة عبر مشاورات ألمانية فرنسية حول إمكانات ردع أوروبي يستند إلى القدرات الفرنسية بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون، فمجرد طرح الفكرة يكشف حجم التحوّل في الذهنية الأوروبية.
الطريق أطول من الميزانيات
وشهد الإنفاق الدفاعي الأوروبي قفزات واضحة في السنوات الأخيرة، مع اتفاق داخل الناتو على رفع السقف المستهدف للإنفاق، لكن المسألة لم تعد رقمية فقط، بل تتعلق بكفاءة التوظيف وتنسيق المشتريات وتفادي ازدواجية المشاريع.
الانقسام يظهر بين من يدفع نحو تصنيع دفاعي أوروبي خالص، ومن يفضّل مرونة أكبر في التعاقدات، كما أن المشاريع الصناعية المشتركة لا تزال تصطدم بخلافات حول تقاسم الأدوار والعوائد.
شراكة لا تخلو من شروط
النقاش لم يعد موجهاً إلى واشنطن وحدها، بل بات أوروبياً داخلياً أيضاً.
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول اعتبر أن وتيرة الإنفاق العسكري الفرنسي لا تتناسب مع الطموحات المعلنة حول السيادة الأوروبية، داعياً باريس إلى خطوات مالية أعمق، كما رفض فكرة تحويل التزامات الإنفاق إلى دين أوروبي مشترك، مؤكداً أنها مسؤوليات وطنية بالدرجة الأولى.
هذا السجال يعكس أن طريق الاستقلال الدفاعي لن يكون سهلاً، حتى داخل المحور الفرنسي الألماني الذي شكّل تاريخياً قلب المشروع الأوروبي.
بين الواقعية والطموح
الأمين العام للناتو مارك روته اختصر الجدل بعبارة مباشرة: من يعتقد أن أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة “يعيش في الوهم”، تصريح لا يلغي رغبة أوروبا في تقوية ذاتها، لكنه يضع سقفاً واقعياً لطموحاتها.
في المقابل، يرى قادة عسكريون أوروبيون أن إعادة التسلّح ليست اندفاعاً نحو الحرب، بل استجابة لبيئة أمنية متغيرة، حيث قد يكون الردع القوي الضمانة الأهم لمنع التصعيد.
إلى أين تتجه القارة؟
السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس انفصالاً أوروبياً عن واشنطن، بل إعادة توزيع للأدوار: أوروبا تتحمل عبئاً أكبر في القدرات التقليدية والفضائية والرقمية، فيما تبقى الولايات المتحدة الضامن النووي النهائي، لكن بشروط أكثر تشاركية، بينما يظل الناتو الإطار الجامع، مع بروز تمايز أوروبي داخله.
بمعنى آخر، القارة لا تستعد للعيش من دون الولايات المتحدة، بل تتعلم كيف تعيش أقل اعتماداً عليها.
وفي عالم تتبدل فيه التحالفات بسرعة، يبدو أن أوروبا لم تعد تريد أن تُفاجأ مرة أخرى بتقلّبات السياسة الأمريكية، بل أن تمتلك ما يكفي من القوة لتفاوض من موقع الندية، لا الحاجة.