نيويورك-سانا
أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن الجرائم التي ارتُكِبت خلال استيلاء قوات الدعم السريع على الفاشر في السودان في تشرين الأول الماضي تُشكِل “كارثة إنسانية” كان من الممكن تجنبها، معرباً عن مخاوفه من تكرار أحداث مماثلة في كردفان.
ونقلت وكالة فرانس برس عن تورك قوله في إحاطة أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف أمس الإثنين: “لطالما حذر مكتبي من خطر وقوع فظائع جماعية في مدينة الفاشر التي ظلت محاصرة أكثر من عام، وقد وثقّنا سابقاً أنماطاً من هذه الفظائع في مناسبات عديدة، بما في ذلك خلال هجوم قوات الدعم السريع للاستيلاء على مخيم زمزم، كان التهديد واضحاً، لكن تم تجاهل تحذيراتنا”.
الآلاف قتلوا خلال سيطرة الدعم السريع على الفاشر
وأكدت تقارير عدة أن معارك قوات الدعم السريع للسيطرة على الفاشر شهدت مجازر واغتصابات وعمليات خطف.
وأوضح المسؤول الأممي قائلاً: “قُتل آلاف الأشخاص في غضون أيام، وفر عشرات الآلاف في حالة من الرعب”، مشدداً على ضرورة “محاسبة المسؤولين، وضمان عدم تكرار الأمر”.
وقال تورك: إنه وخلال زيارة قام بها مؤخراً إلى السودان، استمع إلى روايات مباشرة من ناجين من العنف في الفاشر، و”نادراً ما رأيت أشخاصاً مصدومين إلى هذه الدرجة، لقد أبلغوا عن عمليات قتل جماعي وإعدامات بإجراءات موجزة للمدنيين سواء داخل المدينة أو أثناء فرار الناس”.
وأضاف: “تحدث الناجون أيضاً عن رؤية أكوام من الجثث على طول الطرق المؤدية بعيداً عن الفاشر، في مشهد كارثي شبهه أحدهم بيوم القيامة”، كما استخدمت قوات الدعم السريع العنف الجنسي بشكل منهجي كسلاح حرب، وقال: إن مكتبه وثّق أيضاً تجنيد هذه القوات لأطفال واستخدامهم.
ولفت تورك إلى أن نتائج مفوضيته تتفق مع تقييم المحكمة الجنائية الدولية بأن “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية” قد وقعت في الفاشر، مشدّداً على أن “مسؤولية هذه الفظائع تقع بالكامل على قوات الدعم السريع وحلفائها ومن يدعمونها”.
ودعا المفوض الأممي المجتمع الدولي إلى بذل جهودٍ أكبر، وأضاف: “إذا بقينا مكتوفين نندب حظنا بينما ترتكب الجيوش والجماعات المسلحة جرائم دولية، فلا يمكن إلا أن نتوقع الأسوأ”.
مخاوف من تكرار المجازر
وأعرب تورك عن “قلق بالغ من احتمال تكرار هذه الانتهاكات والتجاوزات في إقليم كردفان، ولاسيما أن القتال فيه قد اشتد منذ سقوط الفاشر”.
وأشار إلى أن المدنيين يتعرضون هناك لخطر الإعدام خارج نطاق القضاء، والعنف الجنسي، والاعتقال التعسفي، وتشتيت الأسر.
وحذر كذلك من خطاب الكراهية الذي يعد محفزاً متكرراً للعنف ذي الدوافع العرقية، قائلاً: “لقد رأيت بنفسي آثار هذه اللغة في قصص ووجوه الناجين الذين قابلتهم”.
وبعدما سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر التي كانت الأخيرة في قبضة الجيش ضمن إقليم دارفور الشاسع في غرب السودان، ركزت عملياتها على إقليم كردفان المجاور، وهي منطقة استراتيجية تربط المناطق التي يسيطر عليها الجيش شمال البلاد، وشرقها، ووسطها بدارفور.
وتمكن الجيش السوداني وحلفاؤه في الأسبوعين المنصرمين من فك الحصار عن مدينتَي كادقلي والدلنج، لكنّ تورك لاحظ أن الضربات بالطائرات المسيّرة لاتزال متواصلة، ما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات من المدنيين.
وأضاف: إن الضربات “استهدفت قافلة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي، وأسواقاً، ومرافق صحية، وأحياء سكنية جنوب وشمال كردفان”.
بريطانيا: يجب عدم استخدام التجويع كسلاح
وكان القائم بأعمال السفير البريطاني في الأمم المتحدة جيمس كاريوكي قال قبل اجتماعات مجلس الأمن الدولي المغلقة بشأن السودان: إن “هذه القسوة المتعمدة كان هدفها مفاقمة وضع لا يطاق أصلاً، يجب ألا يُستخدم التجويع كسلاح حرب على الإطلاق”.
وأضاف كاريوكي الذي تتولى بلاده حاليا الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، في نيويورك: “ندين الضربات الجوية الأخيرة التي شنتها طائرات مسيّرة في أنحاء السودان، بما في ذلك هجوم قوات الدعم السريع الذي تم الإبلاغ عنه على برنامج الأغذية العالمي، وطال قافلة مساعدات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي الجمعة، مسفراً عن مقتل عامل إغاثة، وهجوم آخر شمال كردفان، أسفر عن مقتل 24 شخصاً، بينهم ثمانية أطفال”.
وكانت منسقة الأمم المتحدة المقيمة للشؤون الإنسانية في السودان دينيس براون أكدت في ال 30 من كانون الأول الماضي بعد زيارة موظفي الإغاثة الدوليين إلى الفاشر لأول مرة منذ سيطرة قوات الدعم السريع عليها، بأنها تشبه إلى حد كبير “مسرح جريمة”.
وقالت: إن المدينة كانت مهجورة إلى حد كبير، ولم تشهد أي حركة طبيعية للسكان، حيث وجد موظفو المنظمة الذين زاروا الفاشر لبضع ساعات، عدداً قليلاً جداً من الأشخاص، معظمهم يعيشون في مبانٍ مهجورة أو في مخيمات بدائية مصنوعة من أغطية بلاستيكية.