لندن-سانا
يعاني ملايين الأطفال من صدمات نفسية جراء الحروب والنزاعات المستمرة التي عايشوها في أنحاء العالم، والتي تعكس عمق الرعب الذي فُرض عليهم.
وجاء في تقرير لهيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية “بي بي سي” اليوم، أن النزاعات والحروب المتعددة التي طالت ملايين الأطفال في أنحاء مختلفة من العالم انعكست على حياتهم وشخصياتهم، وتجلت بأشكال من المعاناة والألم وتدهور حالاتهم النفسية والاكتئاب والانطواء والشرود في العيون والقلق الشديد وفرط اليقظة والبقاء في حالة تأهب دائم تحسباً لأي تهديد محتمل إضافة إلى استدعاء الذكريات المؤلمة والكوابيس والاكتئاب.
أرقام صادمة
وأشارت “بي بي سي” إلى تحليل أعدّه “معهد أبحاث السلام في أوسلو” جمع فيه سجلات النزاعات وبيانات السكان، أكد خلاله الحجم الهائل لهذه الأزمة حيث بين أنه “في عام 2024 عاش نحو 520 مليون طفل في مناطق نزاع، أي ما يقدّر بطفل واحد من كل خمسة أطفال في العالم”.
وقال “مايكل بلويس” أستاذ علم النفس في “جامعة سري” البريطانية جنوب لندن: إنّ “الأدلة قوية إلى حد كبير عبر دراسات مختلفة، وهي تظهر أن معايشة الحرب والنزوح يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بمشكلات نفسية، “إلا أنه شدد على ضرورة “إدراك مدى تباين ردود فعل الأطفال حيث إن هناك مجموعة من العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتائج، منها مدة تعرض الطفل للأحداث الصادمة، وما إذا كان أصيب بجروح جسدية أو أنه فقد عزيزاً له أو شهد مقتله أو إصابته وهل توافر له الأمان الجسدي والدعم النفسي فيما بعد”.
أمثلة مؤلمة
ولفت التقرير إلى معاناة أطفال غزة وسوريا والسودان وأوكرانيا خلال الأعوام الماضية إثر فقدان أفراد من عائلاتهم ورؤية القتل والدم والأشلاء أو معاناة الأطفال أنفسهم من إصابات بالغة نجم عنها فقدان أو بتر أجزاء من أجسادهم، ما تسبب بحرمانهم من اللعب والحركة وتسجيل مستويات مرتفعة من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة وأعراض الحزن.
ووصفت البروفيسورة “تيريزا بيتانكورت” مؤلفة كتاب من “الظلال إلى النور” الذي يتناول تجارب الأطفال المجندين سابقاً، هذا الوضع بأنه “أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية”، محذرة من أن “الصدمة النفسية تخلّف آثاراً تمتد طويلاً إلى المستقبل حيث يمكن أن تؤثر على تطوير بنية دماغ الأطفال الصغار بما يخلّف تبعات دائمة على التعلم والسلوك وعلى الصحة الجسدية والنفسية على حد سواء”.
انتقال المعاناة عبر الأجيال
وحول إمكانية معاناة جيل من تجربة الصدمة وظهورها لدى الأجيال اللاحقة، قال بلويس: إن “هناك بعض الأدلة على وجود نوع من انتقال الصدمة عبر الأجيال، حيث يحدث جزء منه أو ربما معظمه عبر الممارسات الاجتماعية أكثر منه عبر آليات بيولوجية، لكن هناك أيضاً مؤشرات إلى وجود عوامل وراثية لا جينية”.
أما “متين باش أوغلو” مدير “مركز إسطنبول للعلوم السلوكية”، فيرى أن “بعض سمات المزاج كالاستعدادات التي تنتقل وراثياً عبر الأجيال قد تجعل البعض أكثر هشاشة في مواجهة الأحداث الصادمة”.
أما “سايمون ويسيلي” الرئيس السابق للكلية الملكية للأطباء النفسيين، فقد أكد أن الخلفية التربوية تؤثر على شدة اضطراب ما بعد الصدمة.
أزمة عائلية
يؤكد الخبراء أن الصدمة أزمة عائلية بامتياز، إذ لا تقتصر على الطفل بل تشمل أيضاً تأثيرها على البالغين، وأوضحت “بيتانكورت” أن مقدم الرعاية حين يعاني من صدماته الخاصة قد يفقد القدرة على حماية طفله، وأظهرت أبحاث “بلويس” أن الظروف العائلية كانت عاملاً حاسماً لدى 80% من الأطفال المعرضين لأكثر من اضطراب نفسي، مشيراً إلى أن السكن الآمن والغذاء والتعليم عوامل أكثر قدرة على التنبؤ بالصحة النفسية.
دور الوالدين
لفت الخبراء إلى أن دور الوالدين أساسي، فالطفل الذي يحظى ببيئة اجتماعية داعمة أو إمكانية الوصول إلى المدرسة يكون أكثر قدرة على التكيف، كما أن رد فعل الوالدين تجاه القصف، سواء بتهويل القلق أو طمأنة الطفل، يترك أثراً مباشراً على شدة الصدمة.
علاج ودعم
شدد الخبراء على ضرورة العلاج النفسي والأدوية والدعم المستمر من العائلة والأصدقاء، وتشجيع الأطفال على استعادة السيطرة، وأكد البروفسور “باش أوغلو” أهمية “العلاج السلوكي المرتكز على استعادة السيطرة على الخوف”، موضحاً أن مساعدة الأطفال على التدرج في التكيف مع النوم بمفردهم أسهمت في تحسين ردود الفعل المرتبطة بالخوف.
ودعا الخبراء إلى التدخل العلاجي وتوفير بيئة مستقرة وآمنة للأطفال، مع فرص للذهاب إلى المدرسة واللعب.
وختم التقرير بالتأكيد على أن الحروب تمضي بلا توقف، وأن الأطفال العالقين فيها يواجهون مأساة متواصلة لا يملكون السيطرة عليها، بينما يبقى العلاج بعيداً عن معالجة السبب الجذري وهو الحرب نفسها.