دمشق-سانا
برزت تقنية “كريسبر-كاس9” (CRISPR-Cas9) كأحد أعمدة الطب الجيني الحديث، في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، مستوحاة من آلية دفاعية طبيعية في البكتيريا، تحولت هذه التقنية من أداة بحثية إلى أمل علاجي واعد لمئات الأمراض الوراثية المحتملة النادرة والمستعصية، وسط سباق علمي واستثماري عالمي يعيد رسم حدود الطب كما نعرفه.
وتشير تقارير حديثة إلى أن سوق تقنيات التحرير الجيني بلغ 1.83 مليار دولار في 2024، مع توقعات بتجاوزه 14.7 مليار دولار بحلول 2032، مدفوعاً بتسارع التجارب السريرية وموافقات تنظيمية بارزة، وتُظهر بيانات ClinicalTrials.gov عشرات التجارب باستخدام كريسبر لعلاج أمراض مثل فقر الدم المنجلي والثلاسيميا وبعض السرطانات واضطرابات العين.
استثمارات ضخمة وتحديات قائمة
تتصدر الولايات المتحدة السباق العالمي في الاستثمار بأبحاث وعلاجات كريسبر، حيث تحتضن شركات رائدة مثل “كريسب ثيرابيوتكس” و”إديتاس ميديسين” و”إنتيليا ثيرابيوتكس”، بدعم من المعاهد الوطنية للصحة ومؤسسات أكاديمية مرموقة، كما تسجل الصين تقدماً سريعاً من خلال دعم حكومي قوي وشركات محلية ناشطة مثل “جين سكريبت”، فيما يواصل الاتحاد الأوروبي تمويل مشاريع بحثية تعاونية ضمن برنامج “هورايزن أوروبا”.
ورغم هذا الزخم، لا تزال تحديات علمية وتقنية تعيق تعميم العلاجات، أبرزها مخاطر التعديلات خارج الهدف وصعوبة إيصال مكونات كريسبر إلى الخلايا المستهدفة، كما أن التكلفة الباهظة “حوالي 2.2 مليون دولار للعلاج الواحد” تثير تساؤلات حول إمكانية الوصول العادل لهذه التقنية الثورية، في ظل تركيز بعض الشركات على الأمراض الأكثر شيوعاً لضمان عائد استثماري أكبر.
مخاوف أخلاقية وتنظيم عالمي مطلوب
ومع اقتراب اعتماد أولى العلاجات التجارية، تتصاعد المخاوف الأخلاقية والقانونية بشأن حدود التعديل الجيني البشري، وقد دعت منظمة الصحة العالمية إلى وضع أطر تنظيمية عالمية ملزمة، مؤكدة أن التحرير الجيني يجب ألا يُستخدم إلا في ظروف خاضعة للرقابة الصارمة وبعد تقييم علمي وأخلاقي دقيق.
وفي السياق ذاته، شددت اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التابعة لليونسكو على أن التحرير الجيني في الأجنة البشرية يمثل تعديلاً على الخط الجنسي ينتقل عبر الأجيال، مما الأمر يثير تساؤلات أخلاقية عميقة تتطلب توافقاً دولياً واسعاً قبل أي تطبيق، وهو ما يعكس حجم التحدي الأخلاقي المصاحب للتطور العلمي.
موافقات تنظيمية وتصريحات علمية
تشهد السوق العالمية تطورات تنظيمية متسارعة، إذ منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في ديسمبر 2023 موافقتها التاريخية على أول علاج جيني يعتمد تقنية كريسبر لعلاج فقر الدم المنجلي والثلاسيميا بيتا، وهو العلاج المعروف باسم “كاسجيفي” (Casgevy). وتبعتها المفوضية الأوروبية بالموافقة على طرحه في الأسواق الأوروبية في فبراير 2024، في خطوة اعتُبرت تحولاً نوعياً في مسار الطب الجيني.
الدكتورة جنيفر دودنا، الحائزة على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2020، قالت: إن “علينا التفكير في التداعيات الأوسع المترتبة على تكنولوجيا قوية مثل كريسبر، وفي كيفية تطويرها على نحو مسؤول يخدم البشرية جمعاء”.
عالمة الوراثة البريطانية كاي ديفيز من جامعة أكسفورد بينت أن هذه الموافقات تفتح الباب أمام موجة من التطبيقات العلاجية الأخرى في المستقبل، لكنها حذرت من أن تكلفة هذه العلاجات التي تصل إلى 2.2 مليون دولار لكل مريض تمثل تحدياً كبيراً أمام تعميمها عالمياً.
الطريق من التجارب إلى الواقع
منذ أول تجربة سريرية مسجلة باستخدام كريسبر على البشر في الصين عام 2016، حين استُخدمت لتعديل خلايا مناعية لدى مرضى سرطان الرئة، والعالم يترقب بحذر وحماس تحول هذه التقنية من وعد علمي إلى واقع علاجي، هذا التطور يضع العلماء والهيئات التنظيمية أمام مسؤولية كبيرة في تقييم المخاطر والمنافع بدقة.
اليوم مع عشرات التجارب السريرية الجارية لعلاج أمراض الدم الوراثية والسرطانات واضطرابات العين، وملايين المرضى بانتظار بارقة أمل، يبقى السؤال: هل تتجاوز كريسبر عقباتها العلمية والأخلاقية والاقتصادية لتصبح علاجا رئيسياً ومتاحاً على نطاق واسع، أم أنها ستبقى معلقة بين المختبرات والهيئات التنظيمية وصناع القرار، لكن العقد الحالي سيحدد إن كانت مجرد “بصيص أمل” أم “ثورة علاجية” تعيد رسم مستقبل الطب.